تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
شرح
أشرف الخصال ، وسمعت أبا على الدقاق يقول : من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس . قال : فأما إيثار أهل المجاهدة السكوت ، فلما عرفوا ما في الكلام من الآفات ثم ما فيه من حظوظ النفس وإظهار صفات المدح والميل إلى أن يتميز من بين أشكاله بحسن النطق وغير هذا من الآفات وذلك نعت أرباب الرياضة ، وهذا أحد أركانهم في المنازلة وتهذيب الخلق . وقال ذو النون : أصون الناس لنفسه أملكهم للسانه ، وبالجملة فاللائق بمن يؤمن باللّه تعالى حق إيمانه وباليوم الآخر ، ووقوع الجزاء فيه أن يستعد له ويجتهد فيما يدفع به أهواله ومكارهه ، فيأتمر بأوامره تعالى ، وينتهى عن مخالفته ، ويعلم أن من أهم ما عليه ضبط جوارحه فإنها رعاياه وهو مسؤول عنها جارحة جارحة . قال اللّه تعالى« إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا »ويعلم أن من أكثر المعاصي عددا ، وأيسرها وقوعا معاصي اللسان ، إذ آفاته تزيد على العشرين ، ومن ثم قال تعالى« وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً » .وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أمسك عليك لسانك » . وقال صلّى اللّه عليه وسلم « وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم » . وروى عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت » وأفاد هذا الحديث كما قاله ابن حجر أن قول الخير خير من الصمت لتقدمه عليه ولأنه إنما أمر به عند عدم قول الخير ، وأن الصمت خير من قول الشر ، وأن قول الخير غنيمة ، والسكوت عن الشر سلامة ، وأن فوات الغنيمة والسلامة ينافي حال المؤمن وما يقتضيه شرف الإنسان المشتق من الأمان ولا أمان لمن فاتته الغنيمة والسلامة ، وأن الإنسان إما أن يتكلم أو يسكت ؛ فان تكلم فإما بخير وهو ربح ، وإما بشر وهو خسارة ؛ وإن سكت فاما عن شر وهو ربح ، وإما عن خير وهو خسارة ، فله في كلامه وسكوته ربحان ، فينبغي أن يحصلهما أو خسارتان فينبغي أن يجتنبهما . قيل : وهذا الأمر عام مخصوص بما لو أكره على قول شر أو سكوت عن خير أو نسي أو خاف على نفسه من قول الخير ونحوه كخبر « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » وخبر « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » انتهى ، ولا يحتاج لذلك لأن رفع القلم عن الناسي والمكره من القواعد الشرعية المقررة ، فجميع الأوامر والنواهي مخصوصة بها في ذهن كل عالم بذلك معتقدا له ، فلا خصوصية لتخصيص هذا الحديث بها على أن التعبير بالخير وبالسكوت في مقابلته الدال على أنه خير أيضا دليل على ذلك التخصيص . لأن المكره عليه منهما يصير خيرا أيضا : أي مباحا ، وعند النسيان هو خير أيضا لارتفاع العقاب ، فلا يحتاج مع ذلك إلى دعوى تخصيص كما نبه عليه العلامة ابن حجر .

[ الكلام في الصمت والصدقة ]

[ تنبيه ] التزام الصمت مطلقا واعتقاده قربة إما مطلقا أو في بعض العبادات كالصوم والحج منهى عنه ، ففي خبر أبي داود « لا صمات يوم إلي الليل » . وأخرج الإسماعيلي النهى عنه في الاعتكاف ، وروى أيضا في الصوم ، وآثر يصمت على يسكت لأنه أخص إذ هو السكوت مع القدرة وهذا هو المأمور به . وأما السكوت مع العجز لفساد آلة النطق فهو الخرس ، أو لتوقفها فهو العى وكلا هذين : أي الخرس والعى لا يحسن الأمر معه بالسكوت ، وذلك لأن الأمر إنما يكون بالأفعال