سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 236
من الثّواب الكريم ما لا صبر عنه ، وذكر من العقاب الأليم ما لا صبر عليه ؛ فعليك إذا بالتزام هذين المعنيين ، يحصل لك مرادك من العبادة ، ويسهل عليك احتمال المشقّة ، واللّه تعالى ولى التّوفيق بفضله ورحمته . فإن قلت : فما حقيقة الرّجاء والخوف وحكمهما ؟ فاعلم أنّ الخوف والرّجاء عند علمائنا رحمهم اللّه تعالى يرجعان إلى قبيل الخواطر ، وإنّما المقدور للعبد مقدّماتهما ، قالوا : فالخوف رعدة تحدث في القلب عن ظنّ مكروه يناله ، والخشية نحوه ، لكن الخشية تقتضى ضربا من الاستعظام والمهابة ؛ وضدّ الخوف ، الجراءة ، ولكن قد يقابل بالأمن ، يقال : خائف ، وآمن ، وخوف ، وأمن ، لأنّ الآمن الّذى يجترئ على اللّه سبحانه ، والحقيقة أنّ الجراءة تضادّه ، الحكيم ( من الثواب الكريم ما لا صبر عنه وذكر من العقاب الأليم ) أي المؤلم ( ما لا صبر عليه فعليك إذن ) أي إذ ورد الذكر الحكيم بمجموع الأمرين ( بالتزام هذين المعنيين ) وهما الخوف والرجاء ( يحصل لك مرادك من العبادة ويسهل عليك احتمال المشقة ) في العبادة ( واللّه تعالى ولى التوفيق بفضله ورحمته . [ بيان أن الخوف والرجاء يرجعان إلى قبيل الخواطر ، وأن المقدور للعبد مقدماتهما ، والفرق بين الخوف والخشية ما قاله القشيري وغيره في معنى الخوف ] فان قلت فما حقيقة الرجاء والخوف و ) ما ( حكمهما فاعلم ) هداك اللّه ( أن الخوف والرجاء عند علمائنا ) معاشر الصوفية ( رحمهم اللّه تعالى يرجعان إلى قبيل الخواطر ) أي أنواعها ( وإنما المقدور للعبد مقدماتهما ) أي الخوف والرجاء ( قالوا ) أي علماؤنا ( فالخوف رعدة ) بفتح الراء : أي اضطراب ( تحدث في القلب عن ظن مكروه يناله والخشية نحوه ) أي الخوف ( لكن الخشية تقتضى ) أي تطلب ( ضربا ) أي نوعا ( من الاستعظام والمهابة ) أي الخوف من اللّه تعالى ( وضد الخوف الجراءة ) أي الشجاعة في محيط المحيط : جرؤ الرجل يجرؤ جرأة وجرة بحذف الهمزة وجرأة وجرائية وجراية ، وهو نادر لإبدال الهمزة ياء بعد الفتح : شجع ( ولكن قد يقابل ) الخوف ( بالأمن ، يقال ) هو ( خائف وآمن وخوف وأمن لأن الآمن الذي يجترئ على اللّه سبحانه ، والحقيقة أن الجرأة تضاده ) أي الخوف . قال القشيري في الرسالة : الخوف معنى متعلقه في المستقبل لأنه إنما يخاف أن يحل به مكروه أو يفوته محبوب ولا يكون هذا إلا لشئ يحصل في المستقبل . فأما ما يكون في الحال موجودا فالخوف لا يتعلق به والخوف من اللّه تعالى هو أن يخاف أن يعاقبه اللّه تعالى إما في الدنيا وإما في الآخرة ، وقد فرض اللّه سبحانه على العباد أن يخافوه فقال تعالى « وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » ، وقال تعالى « وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ » ومدح المؤمنين بالخوف فقال تعالى « يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ » قال القشيري رحمه اللّه : سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول : الخوف على مراتب الخوف والخشية والهيبة . فالخوف من شرط