فإنّ هذه النّفس الأمّارة بالسّوء ميّالة إلى الشّرّ ، طمّاحة إلى الفتنة فلا تنتهى عن ذلك إلّا بتخويف عظيم ، وتهديد بالغ ، وليست هي في طبعها حرّة ، يهمّها الوفاء ، ويمنعها الحياء عن الجفاء ، إنّما هي كما قال القائل :
العبد يقرع بالعصا * والحرّ تكفيه الملامه
والتّدبير في أمرها أن تقرعها أيضا بسوط التّخويف قولا وفعلا وفكرا ، نحو ما ذكر عن بعض الصّالحين أنّ نفسه دعته إلى معصية ، فانطلق ونزع ثيابه ، وجعل يتمرّغ في الرّمضاء ،
شرح
« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ »والخشية كما ذكر من مقامات الخوف ، فخص الرضوان بأهل الخشية وكل ما دل على فضيلة العلم دل على فضيلة الخوف ، لأن الخوف ثمرة العلم باللّه تعالى ، ولذلك جاء في خبر موسى عليه السّلام : وأما الخائفون فان لهم الرفيق الأعلي لا يشاركون فيه . فانظر كيف أفردهم من غير مشاركة بمرافقة الرفيق الأعلى وذلك لأنهم العلماء والعلماء لهم رتبة مرافقة الأنبياء لأنهم ورثة الأنبياء ومرافقة الرفيق الأعلى للأنبياء ومن يلحق بهم ، ولذلك لما خير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في مرض موته بين البقاء في الدنيا وبين القدوم علي اللّه تعالى كان يقول : أسألك الرفيق الأعلى فاذن إن نظر إلى مثمرة فهو العلم وإن نظر إلى ثمرته فالورع والتقوى ولا يخفي ما ورد في فضائل الورع والتقوى حتى إن العاقبة صارت موسومة بالتقوى مخصوصة بها كما صار الحمد مخصوصا باللّه تعالى والصلاة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى يقال الحمد للّه رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة على سيدنا محمد وآله أجمعين ( فإن هذه النفس الأمارة بالسوء ميالة ) أي كثيرة الميل ( إلى الشر طماحة ) في المختار : طمح بصره إلى الشئ : ارتفع وبابه خضع وطماحا أيضا بالكسر وكل مرتفح طامح ورجل طماح بالتشديد أي شره ( إلى الفتنة فلا تنتهى ) أي هذه النفس ( عن ذلك ) أي عن كثرة ميلها إلى الشر وشرهها إلى الفتنة ( إلا بتخويف عظيم وتهديد بالغ ، وليست هي في طبعها ) أي هذه النفس ( حرة يهمها ) أي يقصدها ( الوفاء ) بالعهد ( ويمنعها الحياء عن الجفاء ) في المختار : الجفاء ممدودا ضد البر ( إنما هي ) أي النفس ( كما قال القائل ) من مجز والكامل ( العبد يقرع ) أي يضرب ( بالعصا * والحر تكفيه الملامه .
والتدبير في أمرها ) أي النفس ( أن تقرعها ) أي تضربها ( أبدا بسوط التخويف قولا وفعلا وفكرا ) وذلك ( نحو ما ذكر عن بعض الصالحين ) رحمه اللّه تعالى ( أن نفسه دعته ) أي طلبته ( إلى معصية فانطلق ) أي ذهب بعض الصالحين ( ونزع ثيابه وجعل يتمرغ ) أي صار يتدلك ويتقلب ( في الرمضاء ) أي في التراب الحار ، في المختار : الرمض بفتحتين : شدة وقع الشمس