سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 227
وارتفعت العوائق ، وزالت العوارض ؛ ولا يحصل لك السّير المستقيم إلّا باستشعار الخوف والرّجاء والتزامهما حقّهما على حدّهما . أمّا الخوف فإنّما يجب التزامه لأمرين ، أحدهما : الزّجر عن المعاصي ، وارتفعت ) عنك ( العوائق ) والموانع ( وزالت العوارض ، ولا يحصل لك السير المستقيم إلا باستشعار الخوف والرجاء والتزامهما حقهما على حدهما ) وسيأتي بيان ذلك ( أما الخوف ) وهو الخامس من مقامات اليقين ، وهو باب عظيم من أبواب الإيمان . وأحوال القلوب تنقسم إلى مقامات ، وأحوال وحالات متوسطة بينهما ، وهذا بالنسبة إلى الثبات وسرعة الزوال ، والحالة المتوسطة متى دامت ألحقت بالمقام ومتى زالت ألحقت بالحال فالخوف لا يتعلق إلا بمشكوك فيه أو مظنون ( فإنما يجب التزامه لأمرين : أحدهما الزجر عن المعاصي ) . [ فضل الخوف تارة يعرف بالتأمل والاعتبار ، وتارة بالآيات والأخبار ] اعلم أن فضل الخوف تارة يعرف بالتأمل والاعتبار وتارة بالآيات والأخبار . أما الاعتبار فسبيله أن تعرف أن فضيلة الشئ بقدر غنائه في الإفضاء إلى سعادة لقاء اللّه تعالى في الآخرة إذ لا مقصود سوى السعادة إذ هي الغاية المطلوبة ولا سعادة للعبد إلا في لقاء مولاه والقرب منه ، فكل ما أعان عليه فله فضيلة وفضيلته بقدر إعانته ، وقد ظهر أنه لا وصول إلى سعادة لقاء اللّه في الآخرة إلا بتحصيل محبته والأنس به في الدنيا فيموت على ذلك ، ولا تحصل المحبة إلا بالمعرفة لأنها فرعها من لم يعرف لم يحب ولا تحصل المعرفة إلا بدوام الفكر في مشاهدة جلاله تعالى ولا يحصل الأنس إلا بالمحبة ودوام الذكر لآلاء اللّه تعالى ولا يتيسر الذكر والفكر إلا بانقلاع حب الدنيا من القلب وفراغه منه ، ولا ينقطع ذلك إلا بترك لذات الدنيا وشهواتها ، ولا يمكن ترك المشتهيات إلا بقمع الشهوات وكف النفس عنها ولا تنقمع الشهوة بشئ كما تنقمع بنار الخوف . فإذا عرفت منزلته من الدين فلا تتعداها فالخوف هو النار المحرقة للشهوات والمزيل لآثار آفتها فإذا فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوة ، وبقدر ما يكف عن المعاصي ويحث علي الطاعات ، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف . نعم يستحب إكسابه وتذكاره عند وجود أسبابه مثل قراءتك « مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ و غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ » وعند تذكر ما أعده اللّه للعصاة ؛ وعند الكسوف والخسوف والصواعق والزلازل وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة وبه تحصل العفة ؟ والورع والتقوى والمجاهدة ، وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى اللّه تعالى زلفى ، وفي هذا القدر مقنع لأهل التأمل والاعتبار وعبرة لأولي الأبصار ، وأما بطريق الاقتباس من الآيات والأخبار فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر والإحصاء وناهيك دلالة على فضيلته جمع اللّه تعالى للخائفين ما فرقه على المؤمنين من الهدى والرحمة والعلم والرضوان ، وهي مجامع مقامات أهل الجنان . قال اللّه تعالى « هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ » والرهبة من لواحق الخوف ومقام من مقاماته . وقال تعالى « إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » فوصفهم بالعلم لخشيتهم والخشية مقام من مقات الخوف . وقال تعالى