شرح
الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً» وبيانه أن المعرفة وهي العسر أعيدت معرفة فكانت عين الأولى ولم تتعدد بخلاف اليسر فإنه ذكر نكرة فكان متعددا فصار المعنى إن مع العسر يسرين . قال أبو معاذ : يقال إن مع الأمير غلاما إن مع الأمير غلاما ، فالأمير واحد ومعه غلامان ، وإذا قال إن مع أمير غلاما وإن مع الأمير الغلام فالأمير واحد والغلام واحد ، وإذا قيل إن مع أمير غلاما وإن مع أمير غلاما فهما أميران وغلامان كذا في شرح التأويلات نقله النسفي . قال الحسن : لما نزلت هذه الآية . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « أبشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عسر يسرين » وقال ابن مسعود : لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ويخرجه إنه لن يغلب عسر يسرين . قال المفسرون في معنى قوله : لن يغلب عسر يسرين إن اللّه تعالى كرر لفظ العسر وذكره بلفظ المعرفة وكرر اليسر بلفظ النكرة ، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفا ثم أعادته كان الثاني هو الأول ، وإذا ذكرت اسما نكرة ثم أعادته كان الثاني غير الأول كقولك كسبت درهما فأنفقت درهما فالثاني غير الأول ، وإذا قلت كسبت درهما فأنفقت الدرهم فالثاني هو الأول فالعسر في الآية مكرر بلفظ التعريف فكان عسرا واحدا واليسر مكرر بلفظ التنكير فكانا يسرين فكأنه قال فان مع العسر يسرا إن مع ذلك العسر يسرا آخر . وزيف أبو علي الحسن بن يحيى الجرجاني هذا القول وقال قد تكلم الناس في قوله : لن يغلب عسر يسرين فلم يحصل منه غير قولهم : إن العسر معرفة واليسر نكرة فوجب أن يكون عسر واحد ويسران ، وهذا قول مدخول فيه إذا قال الرجل إن مع الفارس سيفا إن مع الفارس سيفا ، فهذا لا يوجب أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين فمجاز قوله : لن يغلب عسر يسرين أن اللّه عز وجل بعث نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو مقل مخف فكانت قريش تعيره بذلك حتى قالوا إن كان بك طلب الغنى جمعنا لك مالا حتى تكون كأيسر أهل مكة فاغتم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لذلك وظن أن قومه إنما كذبوه لفقره فعدد اللّه نعمه عليه في هذه السورة ووعده الغني ليسليه بذلك عما خامره من الغم ، فقال تعالى« فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً » :أي لا يحزنك الذي يقولون فان مع العسر الذي في الدنيا يسرا عاجلا ، ثم أنجز ما وعده وفتح عليه القرى القريبة ووسع ذات يده حتى كان يعطى المئين من الإبل ويهب الهبة السنية ، ثم ابتدأ فضلا آخر من أمور الآخرة فقال تعالى« فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً »والدليل على ابتدائه تعريه من الفاء والواو وهذا وعد لجميع المؤمنين ، والمعنى إن مع العسر الذي في الدنيا للمؤمن يسرا في الآخرة ، وربما اجتمع له اليسران يسر الدنيا وهو ما ذكره في الآية الأولى ويسر الآخرة وهو ما ذكره في الآية الثانية فقوله : لن يغلب عسر يسرين : أي إن عسر الدنيا لن يغلب اليسر الذي وعده اللّه المؤمنين في الدنيا واليسر الذي وعدهم في الآخرة إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا ، فأما يسر الآخرة فدائم أبدا غير زائل : أي لا يجتمعان في الغلبة ، فهو كقوله صلي اللّه عليه وسلم « شهرا عيد لا ينقصان » أي لا يجتمعان في النقص . قال القشيري : كنت يوما في البادية بحالة من الغم فألقى في روعى بيت شعر فقلت :أرى الموت لمن أص * بح مغموما له أروح