ثمّ عليك بإلجامها بلجام التقوى لا حيلة لها سواه .
واعلم أنّ ههنا أصلا أصيلا وهو أنّ العبادة شطران : شطر الاكتساب ، وشطر الاجتناب ؛ فالاكتساب : فعل الطّاعات ، والاجتناب : الامتناع عن المعاصي والسّيّئات وهو التّقوى ، وأنّ شطر الاجتناب على كلّ حال أسلم وأصلح وأفضل وأشرف للعبد من شطر الاكتساب ، ولذلك يشتغل المبتدئون من أهل العبادة الّذين هم في أوّل درجة من الاجتهاد بشطر الاكتساب ، كلّ همّتهم أن يصوموا نهارهم ويقوموا ليلهم ونحو ذلك ، ويشتغل المنتهون أولو البصائر .
شرح
أي ما حياة القلب إلا في إماتة النفس . وقيل : النعمة العظمى الخروج عن النفس لأن النفس أعظم حجاب بينك وبين اللّه تعالي . وقال أبو مدين قدس سره : من لم يمت لم ير الحق ؛ وقد عبر الإمام أبو القاسم القشيري رحمه اللّه عن طريق موت النفس بعبارات صحيحة مليحة فقال : قتل النفس في الحقيقة التبرّى من حولها وقوتها أو شهود شئ منها ، ورد دعاويها إليها ، وتشويش تدبيرها عليها ، وتسليم الأمور إلى الحق سبحانه بجملتها ، وانسلاخها من اختيارها وإرادتها ، وانمحاء آثار بشريتها عنها ، فأما بقاء الرسوم والهياكل فلا خطر لها ولا عبرة انتهى ، فهذه هي السبيل إلي موت النفس المفضى إلى حضرة القدس لكونه جاريا على مقتضى الشريعة والحقيقة اللتين بأنوارهما يهتدى كل سالك ومريد . ( ثم عليك ) أي الزم ( بالجامها ) أي تلك الخدّاعة ( بلجام التقوى لا حيلة لها سواه ) أي سوى هذا الالجام باللجام المذكور . ( واعلم أن ههنا ) أي في مبحث النفس ( أصلا أصيلا ) أي له أصل ( وهو ) أي ذلك الأصل الأصيل ( أن العبادة شطران ) أي جزآن : الأول ( شطر الاكتساب . و ) الثاني ( شطر الاجتناب ) ، فالاكتساب فعل الطاعات ( والاجتناب الامتناع عن المعاصي والسيئات ، وهو ) أي فعل الطاعات وامتناع المعاصي ( التقوي ) ولكن الاجتناب هو الأشد والأثقل من الاكتساب ، ولذلك كان أكثر ثوابا منه ، لأن الطاعة يقدر على فعلها كل أحد ، وترك المناهى لا يقدر عليه إلا الصديقون ، فلذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « المهاجر من هجر السوء ، والمجاهد من جاهد هواه » ( وأن شطر الاجتناب على كل حال أسلم وأصلح وأفضل وأشرف للعبد من شطر الاكتساب ، ولذلك ) أي المذكور من أن شطر الاجتناب أسلم في كل حال ( يشتغل المبتدئون من أهل العبادة الذين هم في أول درجة من الاجتهاد بشطر الاكتساب كل همتهم ) أي المبتدئين ( أن يصوموا نهارهم ويقوموا ) أي يصلوا ( ليلهم ونحو ذلك ) أي صيام النهار وقيام الليل من العبادات الظاهرة ( ويشتغل المنتهون أولو ) أي أصحاب ( البصائر ) جمع بصيرة وهي ناظر القلب كما أن البصر ناظر العين وناظر القلب إنما ينظر إلى العاقبة