كائن لا محالة ؛ فلا فائدة في السّخط والخيرة فيما يصنع اللّه ، فلا وجه للسّخط ، ألست تقولين : رضيت باللّه ربّا ، فكيف لا ترضين بقضائه ! والقضاء من شأن الرّبوبيّة وحقّها ، فعليك بالرّضا ؛ وكذلك إذا أصابتك مصيبة وحلّ بك مكروه فتراعى نفسك عند ذلك ، وتضبط قلبك حتّى لا تجزع ، ولا تظهر منك شكاية وقلق ، لا سيّما عند الصّدمة الأولى ، فإنّ الشّأن هنالك
شرح
كائن لا محالة فلا فائدة في السخط والخيرة ) أي التخير ( فيما يصنع اللّه فلا وجه ) أي لا سبيل ( للسخط ألست تقولين رضيت باللّه ربا فكيف لا ترضين بقضائه ) وحكمه ( والقضاء من شأن لربوبية وحقها فعليك بالرضا ) بذلك الذي قضاه اللّه تعالى وقدره ( وكذلك ) أي مثل لزوم الرضا ( إذا أصابتك مصيبة وحل ) أي وقع ( بك مكروه فتراعى ) أي تحفظ ( نفسك عند ذلك ) أي عند إضابة المصيبة وحلول المكروه ونزوله ( وتضبط قلبك حتى لا تجزع ولا تظهر منك شكاية وقلق ) أي اضطراب ( لا سيما ) كلمة يستثنى بها وهي مركبة من سى وما تستعمل لترجيح ما بعدها على ما قبلها فيكون مخرجا عن مساواته إلى التفضيل عليه وبهذا الاعتبار ساغ جعلها للاستثناء ( عند الصدمة الأولى ) أصل الصدم الضرب في شئ صلب ثم استعمل مجازا في كل مكروه حصل بغتة ( فان الشأن ) في أفضلية الصبر ( هنا لك ) أي في الصدمة الأولى لأن كل شئ يوجد صغيرا ثم يأخذ في النماء والزيادة إلا المصيبة فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر وتأخذ في النقصان وهذا الصبر على المصائب بالثبت عند الصدمة الأولى واجب ، فان غفل وجزع ثم رجع عن غفلته وندم واسترجع كان ندمه واسترجاعه توبة له . وقد قلنا إن التوبة تصح من كل ذنب ويدخل في هذا النوع الصبر على اللعن ومكافأة الجاني بما هو معصية حرام ومكافأته بما هو مباح مكروه لذهاب الملائكة وعدم إجابتها عنه وإن تألم في باطنه ولكن ترك المكافأة عليه في الظاهر فهو أحسن حالا من الأول ، ولا يدخل في نهى التحريم لأن الألم لم يدخل تحت اختيار العبد والرب تعالى لا يكلف العباد ولا يؤاخذهم إلا بما يدخل تحت اختيارهم ، ويستحب علاج الألم وتكسبه إلى أن يستوى عند القلب وجود الأذى وعدمه كما تكتسب الطاعة والمشقة ويجتنب المعاصي . فان فرح بالجناية ودعا للجاني ، فهذه هي القربة الصديقية ولا يحصل هذا إلا لعبد فتح نور التوحيد قلبه فارتفعت على قلبه رؤية الوسائط وشاهد المتوحد بالأفعال ويعرّفه إيمانه أن سيده اختار له ذلك ليزكى قلبه وينمى له نوره ، وقد روى صالح بن محمد باسناده عن أنس بن مالك عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال « الضرب على الفخذ عند المصيبة يحبط الأجر والصبر عند الصدمة الأولى يعظم الأجر وعظم الأجر على قدر عظم المصببة ومن استرجع بعد المصيبة جدد اللّه له أجرها كيوم أصيب بها »