سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 217
فلعلّ ما تخشاه ليس بكائن * ولعلّ ما ترجوه ليس يكون وتقول لنفسك في الجملة يا نفس : ( لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا [ الكلام في الصحف التي سطرت فيها المقادير الكلام على ثلاث آيات فيها إشكال ، وهي قوله تعالى « فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » و « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ - وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » ] فلعل ما تخشاه ) من الأمور المضرة ( ليس بكائن ) أي بموجود ( ولعل ما ترجوه ) من الأمور النافعة ( ليس يكون ) أي يوجد ( وتقول لنفسك في الجملة ) أي من غير تفصيل ( يا نفس : لن يصيبنا إلا ما كتب اللّه لنا ) أي قدره اللّه لنا وعلينا ، وكتبه في اللوح المحفوظ ، لأن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة من خير وشر فلا يقدر أحد أن يدفع عن نفسه مكروها نزل به أو يجلب لنفسه نفعا أراده لم يقدر له ، وقد روى الترمذي عن ابن عباس رضى اللّه عنهما حديث « رفعت الأقلام وجفت الصحف » قال العلامة ابن حجر وغيره : وهي التي فيها مقادير الكائنات كاللوح المحفوظ ، ومعناه فرغ من الأمر وجفت كتابته ، لأن الصحيفة حال كتابتها لا بد أن تكون رطبة المداد أو بعضه فلم يمكن بعد ذلك أن يقع فيها تبديل أو نسخ لما كتب من ذلك واستقر لما أنها أمور ثابتة لا تبدل ولا تغير عما هي عليه ، فذلك كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها والفراغ منها من أمد بعيد ، ولا ينافي هذا قوله تعالى « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » لأن المحو والإثبات مما جفت به الصحف أيضا كما في تفسير القاضي ، لأن القضاء قسمان مبرم ومعلق ، وحكى أن عبد اللّه بن طاهر دعا الحسن بن الفضل وقال له أشكل على ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي . قوله تعالى « فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » وقد صح أن الندم توبة . وقوله « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » ، وقد صح أن الصحف جفت بما هو كائن إلى يوم القيامة ، وقوله « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » فما بال الأضعاف ، فقال الحسين : يجوز أن الندم لم يكن توبة إذ ذاك وإن كان توبة لنا ، لأن اللّه تعالى خص هذه الأمة بخصائص لم تشاركها فيها الأمم ، وقيل إن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل ، ولكن على حمله . أما قوله « كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ » فإنها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ، وأما قوله « وأن ليس للانسان إلا ما سعى » فمعناه ليس له إلا ذلك عدلا وله تعالى أن يجازيه على الواحدة ألفا فضلا فقام عبد اللّه وقبل رأسه ووسع خراجه ، وهذا الخبر المذكور من أحسن الكنايات وأبلغها ، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك فمن علم ذلك وشهده بعين بصيرته هان عليه التوكل على خالقه والإعراض عما سواه ويشهد لذلك الرفع والجفاف ، وما رواه ابن العربي بسنده أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « أول ما خلق اللّه تعالى القلم ثم خلق النون وهي الدواة ، وذلك قوله تعالى « ن وَالْقَلَمِ » ثم قال له اكتب . قال وما أكتب ؟ قال ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل أو أجل أو رزق أو أثر فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ثم ختم العمل فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة ، ثم خلق العقل فقال الجبار : ما خلقت خلقا أعجب إلى منك وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ولأنقصنك فيمن أبغضت ثم قال صلّى اللّه عليه وسلم : أكمل الناس عقلا أطوعهم للّه سبحانه وتعالى وأعلمهم بطاعته » وروى مسلم « إن اللّه سبحانه