تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
فإذا رأيت اللّه يحبس عنك الدّنيا أو يكثر عليك الشّدائد والبلوى فاعلم أنك عنده عزيز ، وأنّك عنده بمكان علىّ ، وأنّه يسلك بك طريق أوليائه ، فإنّه يراك ولا يحتاج إلى ذلك . أما تسمع قوله تعالى :
( وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا )
بل اعرف منّته عليك فيما يحفظه عليك من صلاحك ويكثر من أجرك وثوابك وينزلك منازل الأبرار والأعزّة عنده ، فكم ترى من عواقب حميدة ومواهب كريمة ، واللّه ولى التّوفيق بمنّه وفضله . ( فصل ) وبالجملة إذ علمت يقينا أنّ اللّه تعالى هو الملىء
شرح
قال المصنف أبو حامد الغزالي : كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكه ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا بخلا عليه ، ولهذا الحديث قال بعضهم : فعلى قدر قرب العبد من ربه يقوم به المرض والمحن ( فإذا رأيت اللّه يحبس ) أي يمنع ( عنك الدنيا أو يكثر عليك الشدائد والبلوى ) والبلية ( فاعلم أنك عنده ) تعالى ( عزيز وأنك عنده بمكان ) أي رتبة ومنزلة ( على ) أي رفيعة ( وأنه ) تعالى ( يسلك بك طريق أوليائه فإنه ) سبحانه ( يراك ) ، إذ هو قائم على كل نفس بما كسبت مشاهد لكل أحد من خلقه في حركته وسكونه ( ولا يحتاج ) سبحانه وتعالى ( إلى ذلك ) أي إلى حبس الدنيا عنك أو إكثار الشدائد والبلية عليك ، بل هو غنى عن امتحانك وابتلائك عالم بحالك بصير بضعفك ، وهو بك رؤوف رحيم ( أما تسمع قوله تعالى« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ») بإمهالهم وإبقائك في عنائهم إلى أن يقع بهم العذاب الذي حكمنا عليهم به ، ويقال : ارض بقضاء ربك فيما يصيبك في طاعة اللّه ( فإنك بأعيننا ) في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك ، وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة بكثرة أسباب الحفظ كذا ذكره البيضاوي . قال ابن عباس : نرى ما يعمل بك ( بل اعرف منته ) وفضله ( عليك فيما يحفظه عليك من صلاحك ويكثر من أجرك وثوابك ) بمعنى واحد ( وينزلك منازل الأبرار والأعزة ) جمع عزيز ( عنده ) تعالى ( فكم ترى من عواقب حميدة ) أي محمودة ( ومواهب كريمة ، واللّه ولى التوفيق بمنه وفضله ) .

فصل [ : إذا علمت يقينا أن اللّه هو الملي بضمان رزقك الذي لا بد لك منه في بقائك اتكلت على ضمانه الحق ووعده الصدق الخ ]

( و ) أقول قولا ملتبسا ( بالجملة ) أي حاصل الكلام أنك ( إذا علمت يقينا أن اللّه تعالى هو الملىء ) بالهمز أو تركه مع الإدغام : أي الغنى ، ويقال رجل ملىء مهموز على فعيل غنى مقتدر ،