وإذا ابتلاك بشدّة فاعلم يقينا أنّه غنىّ عن امتحانك وابتلائك ، عالم بحالك ، بصير بضعفك ، وهو بك رؤوف رحيم ؛ أما تسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « للّه تعالى أرحم بعبده المؤمن من الوالدة الشّفيقة بولدها »
شرح
مراتع الهلكة ، وإني لأجنبهم ملاذها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العرة ، وما ذاك لهوانهم على ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا لم تكلمه الدنيا ولم ينقصه الهوى .
واعلم يا موسى أنه لم يتزين إلى العباد بزينة هي أبلغ عندي من الزهد في الدنيا فإنها زينة الأبرار عندي إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع والخوف والنخول والسجود والتقوى تثبت في قربهم وتظهر على أجسادهم ، فهي ثيابهم التي يلبسون ودثارهم الذي يظهرون وضميرهم الذي يستشعرون ونجاتهم التي بها يفوزون ورجاؤهم الذي إياه يأملون ومجدهم الذي به يفخرون وسيماهم التي بها يعرفون أولئك هم أوليائي حقا ، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلل لهم قلبك ولسانك . واعلم يا موسى أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ثم أنا الثائر له يوم القيامة : أي الآخذ بالثأر ( وإذا ابتلاك ) اللّه ( بشدة ) وبلية ( فاعلم يقينا أنه ) سبحانه ( غنى عن امتحانك وابتلائك عالم بحالك بصير بضعفك وهو ) جل وعز ( بك رؤوف رحيم ) والرؤوف : هو المنعم بنعم نشأت عن محبته للمنعم عليه غنيا كان أو فقيرا ، والرحيم هو المنعم بنعم من أجل احتياج المنعم عليه وفاقته ولا يكون إلا فقيرا ، فإذا أنعم المولى علي أحد من عباده بنعمة فإن كانت النعمة ناشئة عن محبة اللّه لذلك العبد المنعم عليه قيل للمولى رؤوف ، وإن كان إنعامه عليه بتلك النعمة لفاقة ذلك العبد واحتياجه قيل له رحيم ، فعلمت من هذا أن نعم اللّه تارة تكون ناشئة عن محبته للمنعم عليه ، وتارة تكون ناشئة لأجل احتياج المنعم عليه ، وأن الرؤوف أبلغ من الرحيم ، لأن مبدأ الرأفة شفقة المحسن ومحبته والرحمة مبدؤها فاقة المحسن إليه ، ولأجل الأبلغية المذكورة قدم المصنف رحمه اللّه الرؤوف أفاده بعض المحققين