شرح
أحواله وانقطع عنه هواجس نفسه ولم يصغ بقلبه إلى خاطر يدعوه إلى غيره فإذا صار من الخلق أجنبيا ، ومن آفات نفسه بريا ، ومن المساكنات والملاحظات نقيا ، ودام في السر مع اللّه تعالى مناجاته ، وحق في كل لحظة إليه رجوعه ، وصار محدثا من قبل الحق سبحانه بتعريف أسراره فيما يجريه من تصاريف أقداره يسمى عند ذلك عارفا وتسمى حالته معرفة ، وبالجملة فبمقدار أجنبيته عن نفسه تحصل معرفته بربه عز وجل ، وقد تكلم المشايخ في المعرفة فكل نطق بما وقع له ، وأشار إلى ما وجده في وقته . قال الأستاذ سمعت أبا على الدقاق رحمه اللّه يقول : من أمارات المعرفة باللّه حصول الهيبة من اللّه تعالى فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته وسمعته يقول المعرفة توجب السكينة في القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته وكان الشبلي يقول : ليس لعارف علاقة ولا لمحب شكوى ولا لعبد دعوى ولا لخائف قرار ولا لأحد من اللّه عز وجل فرار ، وكان يقول أيضا وقد سئل عن المعرفة : أولها اللّه تعالى وآخرها لمالا نهاية له فقد تكلموا في المعرفة وأكثروا . قال أحمد بن عاصم الأنطاكي : من كان باللّه أعرف كان له أخوف ، وقال بعضهم : من عرف اللّه تعالى تبرم بالبقاء وضاقت عليه الدنيا بسعتها فقد حكى اللّه تعالى عن كعب بن مالك وأصحابه لما تخلفوا عن غزوة تبوك وهجروا إلى أن نزل فبهم قرآن أنهم« ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ »وذلك لمعرفتهم باللّه وعظمته وعظمة رسوله ، فكل من عرف الجليل العظيم لا محتمل قلبه الاشتغال بغيره ولا البعد عنه ، وقيل من عرف اللّه تعالى صفا له العيش وطابت له الحياة وهابه كل شئ وذهب عنه خوف المخلوقين وأنس باللّه تعالى . وقيل من عرف اللّه تعالى ذهبت عنه رغبة الأشياء وكان بلا فصل ولا وصل ، وقيل المعرفة توجب الحياء والتعظيم كما أن التوحيد بوجب الرضا والتسليم ، وقال رويم : المعرفة للعارف مرآة إذا نظر فيها تجلى له مولاه ، وقال ذو النون المصري : ركضت أرواح الأنبياء في ميدان المعرفة فسبقت روح نبينا صلّى اللّه عليه وسلم أرواح الأنبياء عليهم السّلام إلى روضة الوصال ، وقال ذو النون المصري أيضا : معاشرة العارف كمعاشرة اللّه تعالى يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق اللّه عز وجل ، وسئل بن يزدانيار متى يشهد العارف الحق سبحانه ؟ فقال إذا بدأ الشاهد وفنى الشواهد وذهب الحواس واضمحل الإخلاص ، وقال الحسين بن منصور : إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى اللّه تعالى إليه بخواطره وحرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق ، وقال علامة العارف : أن يكون فارغا من الدنيا والآخرة وقال سهل بن عبد اللّه المعرفة غايتها شيئان الدهش والحيرة ، وقال ذو النون : أعرف الناس باللّه تعالى أشدهم تحيرا فيه وقال رجل للجنيد من أهل المعرفة أقوام يقولون إن ترك الحركات من باب البر والتقوى فقال الجنيد إن هذا قول قوم تكلموا بإسقاط الأعمال وهو عندي عظيم والذي يسرق ويزنى أحسن حالا من الذي يقول هذا ، فان العارفين باللّه أخذوا الأعمال عن اللّه تعالى وإلى اللّه تعالى رجعوا فيها ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة ، وقيل لأبى يزيد بما ذا وجدت هذه المعرفة ؟