تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
ولقد صدق القائل وأحسن فيما قال :
توقّ نفسك لا تأمن غوائلها * فالنّفس أخبث من سبعين شيطانا
فتنبّه رحمك اللّه لهذه الخدّاعة الأمّارة بالسّوء ، ووطّن على مخالفتها قلبك بكلّ حال تصب وتسلم ، إن شاء اللّه تعالى .
شرح
دونه فقلنا لو دعونا الشواء فسألناه عن أصل هذا الحمل فلعلّ له سببا مكروها فدعوناه فلم نزل به نسأله عنه حتى أقرّ أنه ميتة وأن نفسه شرهت إلى بيعه حرصا على ثمنه فشواه ووافق أنكم اشتريتموه ، قال فرميناه للكلاب ، قال ثم إني لقيت الرجل بعد وقت فسألته لأي معنى تركت أكله وبأي عارض ؟ فقال أخبرك ما شرهت نفسي إلى طعام منذ عشرين سنة للرياضة التي ريضتها بها فلما قدمتم إلى هذا شرهت نفسي إليه شرها ما عهدته قبل ذلك فعلمت أن في الطعام علة فكرهت أكله لأجل شدة شره النفس إليه . قال الشيخ أبو طالب رحمه اللّه : فانظر رحمك اللّه كيف اتفقا في شره النفس على قصة واحدة ، ثم اختلفا بالتوفيق والخذلان ، فعصم العالم بالورع والمحاسبة ، وترك الجاهل مع شره النفس بالحرص وترك المراقبة ، أعنى البائع للحمل ، وعصم الآخرون للتوفيق بحسن الأدب وهو قمع شره النفس عن الأكل بعد صاحبهم ، ثم تدارك البائع بعد وقوعه بصدق المشترى وحسن نيته ( ولقد صدق القائل وأحسن فيما قال ) نظما من بحر البسيط ( توقّ ) أي احفظ ( نفسك لا تأمن غوائلها ) أي النفس جمع غائلة وهي الفساد والشر والمهلكة والفجور ( فالنفس أخبث من سبعين شيطانا ) وذلك لأن آفات النفس غامضة جدا . قال القشيري صاحب الرسالة : ومن غوامض آفات النفس ركونها إلى استحلاء المدح ، فان من تحسى منه جرعة حمل السماوات والأرضين على شفر من أشفاره ؛ وأمارة ذلك أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب آل حاله إلى الكسل والفشل . كان بعض المشايخ يصلى في مسجده في الصف الأول سنين كثيرة فعاقه يوما عن الابتكار إلى المسجد عائق ، فصلى في الصف الأخير فلم ير مدة فسئل عن السبب ؟ فقال كنت أقضى صلاة كذا وكذا سنة صليتها ، وعندي أنى مخلص فيها للّه فداخلنى يوم تأخرى عن المسجد من شهود الناس إياي في الصف الأخير نوع خجل ، فعلمت أن نشاطي طول عمرى إنما كان على رؤيتهم فقضيت صلواتي . ومثل ذلك ما حكى عن أبي محمد المرتعش كما تقدم بيانه ( فتنبه ) أي تيقظ من نوم غفلتك ( رحمك اللّه ) جملة دعائية ( لهذه ) النفس ( الخداعة الأمارة بالسوء ووطن ) أي قرر أنت ( على مخالفتها ) أي هذه الخداعة ( قلبك بكل حال تصب ) إلى طريق الحق ( وتسلم ) عن المعاصي ( إن شاء اللّه تعالى ) وذلك لأن النفس هي الحجاب الأعظم للعبد عن اللّه تعالى وأن بمجاهدتها وقمعها وموتها تنال سعادة لقاء اللّه تعالي . قال بعضهم : ما الحياة إلا في الموت :