يقينا أنّ في إعطائه شهوته ساعة هلاكه وعطبه رأسا ، وفي منع ذلك شفاؤه وبقاؤه ؛ فتأمّل أيّها الرّجل إذا حبس اللّه عنك رغيفا أو درهما فتعلم يقينا أنّه يملك ما تريد ، ويقدر على إيصاله إليك ، وله الجود والفضل ، ويعلم حالك فلا يخفى عليه شئ ، فلا عدم ولا عجز ولا خفاء ولا بخل ، تعالى عن ذلك وتقدّس ، فإنّه أغنى الأغنياء وأقدر القادرين ، وأعلم العلماء وأجود الأجودين ؛ فتعلم إذن بالحقيقة أنّه لم يمنعك إلّا لصلاح واختيار ، كيف وهو الّذى يقول : (
خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
) كيف وهو الّذى جاد عليك بمعرفته ، وهي الّتى تتلاشى في جنبها الدّنيا بأسرها ،
شرح
( يقينا أن في إعطائه شهوته ) أي المريض ( ساعة ) واحدة ( هلاكه وعطبه ) اسم أن مؤخرا وهما بمعنى واحد ( رأسا ) أي ابتداء غير مستطرد إليه من غيره ( وفي منع ذلك ) أي ما يشتهيه المريض من شربة ماء ( شفاؤه ) من مرضه ( وبقاؤه ، فتأمل أيها الرجل ) العاقل ( إذا حبس اللّه عنك رغيفا أو درهما فتعلم يقينا أنه ) تعالي ( يملك ما تريد ، ويقدر على إيصاله ) أي ما تريد ( إليك وله الجود والفضل ويعلم ) سبحانه ( حالك فلا يخفى عليه ) تعالى ( شئ فلا عدم ولا عجز ولا خفاء ولا بخل ، تعالى ) اللّه ( عن ذلك ) المذكور من العدم والعجز والخفاء والبخل ( وتقدس ) أي تطهر ( فإنه ) عز وجل ( أغنى الأغنياء وأقدر القادرين ، وأعلم العلماء وأجود الأجودين فتعلم إذن ) أي إذ كان اللّه يملك ما تريد ويقدر على إيصاله إليك ( بالحقيقة أنه ) سبحانه وتعالى ( لم يمنعك ) عن الرغيف أو الدرهم ( إلا لصلاح واختيار ، كيف وهو ) جل وعز ( الذي يقول ) في كتابه العزيز : هو الذي (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) يعنى من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار . والمعنى كيف تكفرون باللّه ، وقد خلق لكم ما في الأرض جميعا لتنتفعوا في مصالح الدين والدنيا ؟ أما مصالح الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات اللّه تعالى الدالة على وحدانيته وأما مصالح الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها ،