تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 204

مساهمون:

ص٢٠٤
إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور ، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور .
شرح
كرم اللّه وجهه ( إن صبرت ) على مصيبتك ( جرت عليك المقادير ) التي قدرها اللّه تعالى ( وأنت مأجور ) بسبب صبرك أجرا مضاعفا على أجر الشكر . قال أبو طالب المكي رحمه اللّه : قد روينا يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه جزاء الشاكرين ، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر ؟ فيقول نعم يا رب فيقول اللّه كلا ، أنعمت عليه فشكروا بتليتك فصبرت لأضعفن لك الأجر عليه فيعطي أضعاف جزاء الشاكرين . وجاء في الخبر « إن لأبواب الجنة مصراعين يأتي بها زحام إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد لا يدخل منه إلا الصابرون أهل البلاء في الدنيا واحد بعد واحد » وللصبر معنيان أحدهما منوط بالآخر لا يتم كل واحد منهما إلا بصاحبه فمن كان التقوى مقامه كان الصبر حاله فصار الصبر أفضل الأحوال من حيث كان التقوى أفضل المقامات إذ الأتقى هو الأكرم عند اللّه ، والأكرم عند اللّه هو الأفضل ، وقيل لسفيان الثوري ما أفضل الأعمال ؟ قال الصبر عند الابتلاء . وقال بعض العلماء : لا يطمئن طامع في مدح اللّه تعالى وحسن ثنائه عليه قبل أن يبتليه فيصبر له ، ولا يطمعن أحد في حقيقة الإيمان وحسن اليقين قبل أن يمدحه اللّه تعالى ويثنى عليه ولو أظهر اللّه تعالى على جوارحه سائر الأعمال ، ثم لم يمدحه بوصف ولم يثن عليه بخير لم يؤمن عليه سوء الخاتمة ، وذلك أن من رحمة اللّه تعالى أنه إذا أحب عبدا أو رضى عمله مدحه ووضعه فمن ابتلاه بكراهة ومشقة أو هوي أو شهوة فصبر لذلك أو صبر عن ذلك فإنه تعالى يمدحه ويثنى عليه بكرمه وجوده فيدخل هذا العبد في أسماء الموصوفين ، ويصير واحدا من الممدوحين فعندها يثبت قدمه من الزلل ويختم له بما سبق له من صالح العمل ، وأفضل الصبر الصبر على اللّه تعالى بالمجالسة والإصغاء إليه وعكوف الهمم عليه وقوة الوجد به ، وهذا لخصوص المقربين أو حياء منه أو حبا له أو تسليما له أو تسليما إليه ، وهو السكون تحت جريان الأقدار وشهودها من الإنعام . ومن حسن تدبير الاقتسام وشهود المشيئة له والحكمة فيها والقصد بالابتلاء بها ، وهو داخل في قوله تعالى« وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ »وفي قوله تعالى« وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا »وقال سهل في تأويل قول على رضى اللّه عنه : إن اللّه يحب كل عبد نؤمة . قال هو الساكن تحت جريان الأحكام عن الكراهة والاعتراض ، وقال عمر بن عبد العزيز أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القدر ، ويقال من علامات اليقين التسليم للقضاء بحسن الصبر والرضى وهو مقام العارفين ، والصبر أيضا على إظهار الكرامات وهي الإخبار بكشف القدرة والآيات داخل في حسن الأدب من المعاملات ، وهذا في معنى الحياء من اللّه تعالى ، وهذا طريق المحبين للّه وهو حقيقة الزهد ، ومن فضائل الصبر حبس النفس عن حب الحمد والمدح والرياسة ، وقد روى في خبر مقطوع « الصبر في ثلاث : الصبر عن تزكية النفس والصبر عن شكوى المصيبة . والصبر على الرضى بقضاء اللّه تعالى خيره وشره » ( وإن جزعت ) فيما يصيبك من المصائب ( جرت عليك المقادير وأنت مأزور ) أي آثم وحسبك أن الجزع يحبط الأخر