تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وثوابها الجزيل في العاقبة ، ثمّ لا يقع في المعاصي وبليّاتها في الدّنيا وتبعاتها في الآخرة ، ثمّ لا يبتلى بطلب الدّنيا ومالها من الشّغل في الحال والتّبعة في المآل ، ثمّ لا يحبط أجره على ما ابتلى به وذهب عنه ، فحصل إذن بسبب الصّبر الطّاعة ومنازلها الشّريفة وثوابها والتّقوى والزّهد والعوض والثّواب الجزيل من اللّه سبحانه ، وتفصيل ذلك أمر لا يعلمه إلّا اللّه عزّ وجلّ . وأمّا دفع المضارّ فيريحه أوّلا من مؤنة الجزع ومقاساته ،
شرح
ومفارقة الرسوم والعادات والقيام بين يدي اللّه تعالى على حقيقة الصدق ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « استقيموا ولن تحصوا » أي تستطيعوا الاستقامة : أي المخالفة للمعتاد . وقال الواسطي : الخصلة التي بها كملت المحاسن وبفقدها قبحت المحاسن الاستقامة . وحكى عن الشبلي أنه قال : الاستقامة أن تشهد الوقت قيامة ، ويقال الاستقامة في الأقوال بترك الغيبة وفي الأفعال بنفي البدعة ، وفي الأعمال بنفي الفترة ، وفي الأحوال بنفي الحجبة . وقال الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسين : السين في الاستقامة سين الطلب : أي طلبوا من الحق أن يقيمهم على توحيدهم ثم على استدامة عهودهم وحفظ حدودهم . قال القشيري : واعلم أن الاستقامة توجب إدامة الكرامة : قال اللّه تعالى« وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً »لم يقل سقيناهم ، بل قال أسقيناهم ، يقال أسقيته إذا جعلت له سقيا فهو يشير إلى الدوام : أي دوام الخير من المطر وما يترتب عليه : قال سمعت محمد بن الحسين يقول : سمعت الحسين بن أحمد يقول سمعت أبا العباس الفرغاني يقول : قال الجنيد لقيت شابا من المريدين في البادية تحت شجرة من شجر أم غيلان : فقلت ما أجلسك ههنا ؟ فقال حال افتقدته فمضيت وتركته ، فلما انصرفت من الحج إذا أنا بالشاب قد انتقل إلى موضع قريب من الشجرة : فقلت ما جلوسك ههنا ؟ فقال وجدت ما كنت أطلبه في هذا الموضع فلزمته . قال الجنيد فلا أدرى أيهما كان أشرف لزومه لافتقاد حاله أو لزومه للموضع الذي نال فيه مراده ( و ) يحصل له ( ثوابها ) أي الطاعات ( الجزيل في العاقبة ، ثم لا يقع ) أي العبد ( في المعاصي وبلياتها في الدنيا وتبعاتها في الآخرة ، ثم لا يبتلى بطلب الدنيا ومالها ) أي للدنيا ( من الشغل في الحال والتبعة في المآل . ثم لا يحبط أجره على ما ابتلى به و ) ما ( ذهب عنه ) أي عن العبد ( فحصل إذن بسبب الصبر الطاعة ومنازلها الشريفة ) من الاستقامة ( و ) حصل ( ثوابها والتقوى والزهد والعوض والثواب الجزيل ) أي العظيم ( من اللّه سبحانه ، وتفصيل ذلك ) أي ما يحصل للعبد من الأجر بسبب الصبر ( أمر لا يعلمه إلا اللّه عز وجل ، وأما دفع المضار فيريحه ) أي العبد ( أولا من مؤنة الجزع ومقاساته ) أي الجزع