سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 201
على مرارته وحدّته ويقول : مرارة ساعة راحة سنة . وأمّا المنافع الّتى يجلبها الصّبر ، فاعلم أنّ الصّبر أربعة أقسام : صبر على الطّاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر عن فضول الدّنيا ، وصبر على المحن والمصائب ؛ فإذا احتمل مرارة الصّبر وصبر في هذه المواطن الأربعة تحصل له الطّاعات ومنازلها من الاستقامة أي العاقل في سراج السالكين : غص الرجل بالطعام والماء يغص ويغص غصصا من باب علم ونصر : اعترض في حلقه شئ منه فمنعه التنفس ، ويقال غص بالغيظ علي التشبيه وغص الشئ يغصه غصا : قطعه ( على مرارته ) أي الدواء ، يقال مر الشئ يمر ويمر مرارة من باب نصر وعلم صار مرا ضد حلا ( و ) على ( حدته ويقول ) العاقل ( مرارة ساعة راحة سنة . [ المنافع التي يجليها الصبر وتقسيمه إلى أربعة أقسام الكلام على الاستقامة ] وأما المنافع التي يجلبها الصبر ، فاعلم أن الصبر أربعة أقسام : صبر على الطاعة ، وصبر عن المعصية ، وصبر عن فضول الدنيا ، وصبر على المحن ) جمع محنة ( والمصائب ) جمع مصيبة ( فإذا احتمل ) العبد ( مرارة الصبر وصبر في هذه المواطن الأربعة ) التي هي الطاعة والمعصية وفضول الدنيا والمصائب ( تحصل له ) أي للعبد الذي احتمل ذلك ( الطاعات ومنازلها من الاستقامة ) وهي كما قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها ، ومن لم يكن مستقيما في حالته ضاع سعيه وخاب جهده . قال اللّه تعالى « وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً » ومن لم يكن مستقيما في صفته لم يرتق من مقامه إلى غيره ولم يبن سلوكه على صحة ، فمن شرط المستأنف الاستقامة في أحكام البداية كما أن من حق العارف الاستقامة في آداب النهاية ، فمن أمارات استقامة أهل البداية أن لا تشوب معاملتهم فترة ، ومن أمارات استقامة أهل الوسائط أن لا يصحب منازلهم وقفة ، ومن أمارات استقامة أهل النهاية أن لا تتداخل مواصلتهم حجبة . وقال أبو علي الدقاق الاستقامة لها ثلاثة مدارج : أولها التقويم ثم الإقامة ثم الاستقامة ، فالتقويم من حيث تأديب النفس والإقامة من حيث تهذيب القلوب والاستقامة من حيث تقريب الأسرار . وقال أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه في معنى قوله - ثم استقاموا - لم يشركوا . وقال عمر رضى اللّه عنه : لم يروغوا روغان الثعالب ، فقول الصديق محمول علي مراعاة الوصول في التوحيد ، وقول عمر محمول على ترك طلب التأويل والقيام بشرط العهود . وقال ابن عطاء : استقاموا على انفراد القلب باللّه تعالى . وقال أبو علي الجوزجاني : كن صاحب الاستقامة لا طالب الكرامة ، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك عز وجل يطالبك بالاستقامة . قال القشيري : سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول سمعت أبا على الشبوى يقول : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام ، فقلت له روى عنك أنك قلت : شيبتنى هود ، فما الذي شيبك منها قصص الأنبياء وهلاك الأمم ؟ فقال لا ولكن قوله تعالى « فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ » وقيل إن الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات