تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فتأمّل هذا الأصل وانظر لنفسك لعلّك تسلم بعون اللّه وتوفيقه . وأمّا الصّبر فإنّه دواء مرّ وشربة كريهة مباركة تجلب كلّ منفعة وتدفع عنك كلّ مضرّة ، فإذا كان الدّواء بهذه الصّفة فالإنسان العاقل يكره النّفس على شربه وتجرّعه ويغصّ
شرح
كما أن شرف العارف بمعروفه ، وقال أبو حفص : العبودية زينة العبد ، فمن تركها تعطل من الزينة ، وكان ابن عطاء يقول : العبودية في أربع خصال : الوفاء بالعهود والحفظ للحدود والرضى بالموجود والصبر عن الفقود ، وكان عمرو بن عثمان المكي يقول : ما رأيت أحدا من المتعبدين في كثرة من لقيت بمكة حرسها اللّه تعالى وغيرها ، ولا أحدا ممن قدم علينا في المواسم أشد اجتهادا ولا أدوم على العبادة من المزنى رحمه اللّه تعالى ولا رأيت أحدا أشد تعظيما لأوامر اللّه تعالى منه ، وما رأيت أحدا أشد تضييقا علي نفسه وتوسعة على الناس منه . وقال أبو علي الدقاق : ليس شئ أشرف من العبودية ولا اسم أتم للمؤمن من الاسم له بالعبودية ، ولذلك قال سبحانه في وصف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ليلة المعراج ، وكان أشرف أوقاته في الدنيا «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» وقال تعالى« فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى »فلو كان اسم أجل من العبودية لسماه به ، وفي معناه أنشدوا :يا عمرو ثاري عند زهرائى * يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها * فإنه أشرف أسمائيوقال بعضهم : إنما هو شيئان سكونك إلى اللذة واعتمادك على الحركة ، فإذا أسقطت عنك هذين فقد أديت العبودية حقها كما قال الواسطي : احذروا لذة العطاء فإنها غطاء لأهل الصفاء . وقال أبو علي الجوزجاني : الرضى دار العبودية والصبر بابه والتفويض بيته ، فالصوت على الباب والفراغة في الدار والراحة في البيت . وقال أبو علي الدقاق : كما أن الربوبية نعت للحق سبحانه لا يزول فالعبودية صفة للعبد لا تفارقه ما دام ، وأنشد بعضهم :فان تسألوني قلت ها أنا عبده * وان سألوه قال هذاك مولاياوكان أبو عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت النصر اباذى يقول : العبادات إلى طلب الصفح والعفو عن تقصيرها أقرب منها إلى طلب الأعواض والجزاء عليها ، وسمعت النصر اباذى أيضا يقول : العبودية إسقاط رؤية التعبد في مشاهدة المعبود . وقال الجندي : العبودية ترك الاشتغال والاشتغال بالشغل الذي هو أصل الفراغة ( فتأمل هذا الأصل وانظر لنفسك ) فيما يصلحها ( لعلك تسلم بعون اللّه وتوفيقه . وأما الصبر فإنه دواء مرّ ) ضد حلو ( وشربة كريهة ) أي مكروهة للنفس ( مباركة تجلب كل منفعة وتدفع عنك كل مضرة ، فإذا كان الدواء بهذه الصفة ) المذكورة ( فالإنسان العاقل يكره ) بضم الياء مع كسر الراء : أي يقهر ( النفس علي شربه ) أي الدواء ( و ) على ( تجرعه ويغص )