« ليقلّ همّك وما قدّر يكن وما لم يقدّر لم يأتك » هذا هو الكلام الجامع النّبوىّ البالغ في قلّة لفظه وكثرة فائدة معناه .
وأمّا الفائدة في المآل فثواب اللّه تعالى ورضوانه ، قال اللّه تعالى :
( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) *
وما في السّخط من الهمّ والحزن والضّجر في الحال ، والوزر والعقوبة في المآل بلا فائدة إذ القضاء نافذ فلا ينصرف بهمّك وسخطك كما قيل :
ما قد قضى يا نفس فاصطبرى له * ولك الأمان من الّذى لم يقدر
شرح
البخاري بأحد وعشرين ، ومسلم بخمسة وثلاثين وكان من كبار الصحابة وساداتهم وفقائهم ومقدميهم في القرآن والفقه والفتوى وأصحاب الحلق وأصحاب الاتباع في العلم ( ليقل همك وما قدر ) بالبناء للمفعول : أي قدره اللّه ( يكن وما لم يقدر لم يأتك ) ففي هذا الحديث تقرير وحض على تفويض الأمور كلها إلى اللّه تعالى مع شهود أنه الفاعل لما يشاء وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدى حده المقدر له ، وهذا راجع لقوله تعالى« ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها »الآية ، فان من علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب من خير وشر ونفع وضر . وأن اجتهاد الخلق كلهم بخلاف المقدور لا يفيد شيئا البتة علم أن اللّه تعالى وحده هو الضار النافع المعطى المانع فأفرده بالطاعة وحفظ حدوده وخافه ورجاه وأحبه وقدم طاعته على طاعة خلقه كلهم وأفرده بالاستعانة به والسؤال له والتضرع إليه والرضى بقضائه في حال الشدة والرخاء . قال العراقي : رواه أبو نعيم من حديث خالد بن رافع ، وقد اختلف في صحبته ، ورواه الأصبهاني في الترغيب والترهيب من رواية مالك بن عمرو المعافى مرسلا انتهى . قال الزبيدي : وقد رواه أيضا ابن ماجة في القدر والديلمي وابن النجار من حديث ابن مسعود ، ورواه ابن يونس من تاريخ من دخل مصر من الصحابة من طريق عياش بن عياش عن أبي موسى الغافقي واسمه مالك بن عبد اللّه « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نظر إلى ابن مسعود فقال لا يكثر همك ما يقدر يكون وما ترزق يأتيك » ( هذا هو الكلام الجامع النبوي البالغ في قلة لفظه وكثرة فائدة معناه . وأما الفائدة في المآل ) أي في العاقبة ( فثواب اللّه تعالى ورضوانه .
قال اللّه تعالى« رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ) *بطاعتهم له( وَرَضُوا عَنْهُ » *) بما أعطاهم من ثوابه وجزيل كرامته ( وما في السخط من الهم والحزن والضجر ) أي القلق من الغم ( في الحال والوزر والعقوبة في المآل بلا فائدة ، إذ القضاء نافذ فلا ينصرف بهمك وسخطك كما قيل ) من بحر الكامل ( ما قد قضى يا نفس فاصطبرى له * ولك الأمان ) والسلامة ( من الذي لم يقدر .