تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
إلا بأن تعرضها على الصّيرفىّ الخبير بالذّهب والفضة ، وما فيهما من الخواصّ والأسرار ، وهذا العلم المحيط بالأمور من جميع الوجوه لا يصلح إلّا للّه ربّ العالمين فلا يستحقّ إذن أحد أن يكون له الاختيار والتّدبير إلّا اللّه وحده لا شريك له ، ولذلك يقول عزّ من قائل : ( وربّك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) ثمّ قال تعالى : (
وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ
) . وحكى أنّ بعض الصّالحين قيل له من قبل اللّه تعالى : سل تعط ، وكان موفّقا فقال : إنّ عالما بجميع الوجوه يقول لجاهل من جميع الوجوه :
شرح
النقد والتمييز ( إلا بأن تعرضها ) أي تلك الدراهم ( على الصيرفي الخبير ) أي العليم ( بالذهب والفضة وما فيهما من الخواص والأسرار وهذا العلم المحيط بالأمور ) كلها ( من جميع الوجوه لا يصلح ) أي هذا العلم ( إلا للّه رب العالمين فلا يستحق إذن ) أي حين إذ كان العلم المحيط بالأمور من جميع الوجوه لا يصلح إلا للّه رب العالمين ( أحد أن يكون له الاختيار والتدبير إلا اللّه وحده لا شريك له ولذلك ) أي لاستحقاقه تعالى الاختيار والتدبير دون غيره ( يقول عز من قائل : وربك يخلق ما يشاء ) كما يشاء ( ويختار ) أي وربك يختار ما يشاء نزلت هذه الآية جوابا للمشركين حين قالوا «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» يعنى الوليد بن المغيرة أو عروة بن مسعود الثقفي أخبر اللّه تعالى أنه لا يبعث الرسل باختيارهم لأنه المالك المطلق ، وله أن يخص من يشاء بما يشاء لا اعتراض عليه البتة كذا ذكره الخازن ( ما كان لهم ) لأهل مكة ( الخيرة ) أي التخير كالطيرة بمعنى التطير ، وظاهره نفي الاختيار عنهم رأسا والأمر كذلك عند التحقق فان اختيار العباد مخلوق باختيار اللّه منوط بدواع لا اختيار لهم فيها كما ذكره البيضاوي . وقال النسفي : معناه ليس لهم أن يختاروا على اللّه شيئا ما وله الخيرة عليهم ، ولم يدخل العاطف في «ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ» لأنه بيان لقوله : ويختار . إذ المعنى أن الخيرة للّه وهو أعلم بوجوه الحكمة وأفعاله فليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ومن وصل على معنى ويختار الذي لهم فيه الخيرة فقد أبعد ، بل ما لنفي اختيار الخلق تقرير لاختيار الحق ومن قال ومعناه ويختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح فهو مائل إلى الاعتزال . والخيرة : من التخير يستعمل بمعنى المصدر وهو التخير وبمعنى المتخير كقولهم محمد خيرة اللّه من خلقه ( ثم قال تعالى :وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ )أي تخفى ( صدورهم ) أي قلوبهم من البغض والعداوة ( وما يعلنون ) ما يظهرون من المعاصي ( وحكى أن بعض الصالحين ) رحمه اللّه ( قيل له من قبل اللّه تعالى ) بكسر القاف وفتح الباء ( سل ) ما شئت ( تعط ) مسئولك ( وكان ) بعض الصالحين ( موفقا ) للخير ( فقال ) بعض الصالحين ( إن عالما جل وعز بجميع الوجوه يقول لجاهل ) يعنى نفسه ( من جميع الوجوه :