سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 194
سل تعط ، أيش أعلم ما ذا يصلح لي فأسأله ولكن اختر أنت لي ، فهذه هذه . والأصل الثّانى ما تقول لو أنّ رجلا قال لك : أنا أقوم بجميع أمورك وأدبّر جميع ما تحتاج إليه من مصالحك ، ففوّض الأمر كلّه إلىّ واشتغل أنت بشأنك الّذى يعنيك وهو عندك أعلم أهل زمانك ، وأحكمهم وأقواهم وأرحمهم وأتقاهم وأصدقهم وأوفاهم ، ألست تغتنم ذلك وتعدّه أعظم نعمة وتمتنّ منه أكبر منّة وتقدّم له أوفر شكر وأجمل ثناء ، ثمّ إذا اختار لك شيئا لا تعرف وجه الصّلاح فيه فلا تضجر لذلك ، بل تثق وتطمئنّ إلى تدبيره ، وتعلم أنّه لا يختار لك إلّا ما هو الخير ، وما ينظر لك إلّا الصّلاح كيفما كان الأمر ، بعد ما وكلت الأمر إليه وضمن ذلك ، فما لك إذن لا تفوّض الأمر إلى اللّه ربّ العالمين سبحانه ؟ فهو الّذى يدبّر الأمر كلّه من السّماء إلى الأرض سل تعط ، أيش ) أي أىّ شئ ( أعلم ما ذا يصلح لي فأسأله ، ولكن اختر أنت ) يا رب ( لي ) ما شئت ( فهذه ) الجملة ( هذه ) أي عظيمة : [ الأصل الثاني ما تقول لو أن رجلا قال لك أنا أقوم بجميع أمورك . . . ] ( والأصل الثاني ) من الأصلين ( ما ) أي أىّ شئ ( تقول لو أن رجلا قال لك أنا أقوم بجميع أمورك وأدبر ) أي أقضى وأنفذ ( جميع ما تحتاج إليه من مصالحك ففوض الأمر كله إلى واشتغل أنت بشأنك الذي يعنيك ) أي ينفعك ( وهو ) أي القائل لك ما ذكر ( عندك أعلم أهل زمانك وأحكمهم ) أي أعد لهم ( وأقواهم وأرحمهم ) للناس ( وأتقاهم ) لربه ( وأصدقهم ) في كلامه ( وأوفاهم ) لوعده ( ألست تغتنم ذلك ) أي القول الذي صدر منه ( وتعده ) أي ذلك القول ( أعظم نعمة وتمتن ) أي تشعر بالمن ( منه ) أي من القائل المذكور ( أكبر منة وتقدم له ) أي لهذا القائل ( أوفر شكر ) أي أكمله ( وأجمل ثناء ) أي أحسنه ( ثم إذا اختار ) القائل ( لك شيئا لا تعرف وجه الصلاح فيه ) أي في ذلك الشئ ( فلا تضجر ) ولا تقلق ( لذلك ) أي لاختياره ذلك ( بل تثق وتطمئن ) بقلبك ( إلى تدبيره ) ونظره ( وتعلم أنه ) أي الرجل المذكور ( لا يختار لك إلا ما هو الخير وما ينظر لك إلا الصلاح كيفما كان الأمر بعد ما وكلت ) أي فوضت ( الأمر ) كله ( إليه ) أي إلى الرجل المذكور ( وضمن ذلك ) الأمر كله ( فمالك ) أي أي شئ لك ( إذن ) أي حين وكلت أمرك كله إلى هذا الرجل مع الثقة والاطمئنان إلى تدبيره ( لا تفوض الأمر إلى اللّه رب العالمين سبحانه فهو ) تعالى ( الذي يدبر الأمر كله من السماء إلى الأرض ) يعنى أنه تعالى يدبر أمر العالم العلوي والسفلى ويصرفه ويقضيه بمشيئته وحكمته على أكمل الأحوال لا يشغله شأن عن شأن ، وقيل : يدبر الأمر بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة ، ففيه دليل على كمال القدرة والرحمة ، لأن جميع