تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
يا ربّ نبّهنى لها فإنّى متّهم لها مصدّق لك ، فكوشفت بها كأنّها تقول : يا أحمد أنت تقتلني كلّ يوم بمنعك إيّاى من شهوات مرّات وبمخالفتك ولا يشعر به أحد ، فإن قاتلت قتلت قتلة واحدة فنجوت منك ، ويتسامع النّاس فيقولون : استشهد أحمد ، ويكون لي شرف وذكر ، قال فقعدت ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام ، فانظر إلى خداع النّفس وغرورها ، ترائى النّاس بعد الموت بعمل لم يكن بعد ،
شرح
يا رب نبهني لها ) أي النفس : أي لإرادتها ( فإني متهم لها مصدق لك ) أي لقولك ( فكوشفت بها كأنها تقول ) لي ( يا أحمد أنت تقتلني كل يوم بمنعك إياي من شهواتي مرات وبمخالفتك ولا يشعر ) أي لا يعلم ( به ) أي بما ذكر من المنع والمخالفة ( أحد ) من الناس ( فإن قاتلت ) الكفار في صف القتال ( قتلت ) بالبناء للمفعول : أي قتلني خصمك ( قتلة واحدة فنجوت منك ويتسامع الناس فيقولون استشهد ) بالبناء للمفعول : أي قتل شهيدا ( أحمد ) بن أرقم ( ويكون لي شرف وذكر ) في الناس . ( قال ) ابن أرقم ( فقعدت ولم أخرج إلى الغزو في ذلك العام ) . قال المصنف رحمه اللّه تعالى ( فانظر إلى خداع ) بكسر الخاء ( النفس وغرورها ترائى الناس بعد الموت بعمل لم يكن بعد ) أي إلى الآن ، فتبين من هذه القصة أن حظ النفس في الطاعة باطن خفي بخلافه في المعصية فإنه ظاهر جلى . قال بعض العارفين : منذ عشرين سنة ما سكن قلبي إلى نفسي ساعة ، وسكون القلب إلى النفس هو اتباعه للأخف عليها دون الأثقل وهو معدود عندهم من نفاق القلب ومن بقي عليه شئ من دواعي الهوى وإن قلّ لا يؤمن عليه من مثل هذا ، فخفة العمل على النفس إنما تكون لأجل موافقة هواها لا يميل إلا إلى الباطل ، فإذا التبس عليك أمران واجبان أو مندوبان ولم تعلم أيهما أوجب أو أفضل لتقدمه على الآخر فانظر أثقلهما على نفسك فاعمل به ، هذا ميزان صحيح باعتبار غالب الأنفس لأنها مجبولة على الشرّ والشره ، وإنما قلنا باعتبار غالب الأنفس لأن النفس المطمئنة لا توصف بالجهل ولا بالشره فقد يخف العمل عليها ولا يدلّ ذلك على أنه باطل فليكن نظر العبد حينئذ إلى ما هو أكثر فائدة وأعظم مزية فليقدّمه على غيره ، وقد ذكر الشيخ أبو طالب صاحب القوت رحمه اللّه حكاية عجيبة في شره النفس وكونها لا تميل إلا إلى الباطل . قال : حدّثنى بعض إخواني عن بعض هذه الطائفة : قال قدم علينا بعض الفقراء فاشترينا من جار لنا حملا مشويا ودعوناه إليه في جماعة من أصحابنا ، فلما مد يده أخذ لقمة وجعلها في فيه ثم لفظها ثم اعتزل وقال : كلوا أنتم فإنه قد عرض لي عارض منعني من الأكل ، فقلنا لا نأكل إن لم تأكل ، فقال أنتم أعلم أما أنا فغير آكل ثم انصرف ، قال فكر هنا أن نأكل
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 17 | السيد احمد بن زيني دحلان