تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ولقد بلغنا عن بعض الصّالحين يقال له أحمد بن أرقم البلخىّ رحمه اللّه أنّه قال : نازعتني نفسي بالخروج إلى الغزو ، فقلت : سبحان اللّه ، إنّ اللّه يقول :
( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )
وهذه تأمرني بالخير ، لا يكون هذا أبدا ، ولكنّها استوحشت فتريد لقاء النّاس لتستروح إليهم ويتسامع النّاس بها فيستقبلونها بالتّعظيم والبرّ والإكرام فقلت لها : لا أنزلك العمران ولا أنزلك على معرفة ، فأجابت فأسأت الظّنّ بها ، وقلت : اللّه تعالى أصدق القائلين ، فقلت لها : أقاتل العدوّ حاسرا فتكونين أوّل قتيل ، فأجابت فأسأت الظّنّ بها ، وعدّد أشياء ممّا أرادها فأجابت إلى كلّ ذلك ، قال فقلت :
شرح
لها جرة ماء فثقل ذلك على نفسي فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كانت بشوب وحظ من نفسي إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع ، فهذا مما يبين أن حظ النفس في الطاعة موجود ولكنه خفى على العامل ، فلذلك تعسر مداواته لأنه يحتاج إلى دقة فهم ونفوذ إدراك فليتطلب بذلك آفات نفسه ولطائف خداعها وخفايا حظوظها فيعمل على تصفية عمله من ذلك ، فلا جرم إذ كان متعذرا يجب عليه اتهام نفسه ومخالفتها في كل ما تدعو إليه كائنا ما كان ( ولقد بلغنا ) وذكر العلامة الرندى عن الشيخ أبي بكر الخفاف رحمه اللّه ، سمعت بعض مشايخي يقول ( عن بعض الصالحين يقال له أحمد بن أرقم البلخي رحمه اللّه أنه قال : نازعتني ) أي حدثتني كما في رواية ( نفسي بالخروج إلى ) استيجاب لأجل ( الغزو فقلت ) متعجبا ( سبحان اللّه إن اللّه ) تعالى ( يقولإِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وهذه ) أي نفسي ( تأمرني بالخير ) وهو الخروج إلى الغزو ( لا يكون هذا ) الخير الذي أمرتني النفس به ( أبدا ولكنها ) أي هذه النفس ( استوحشت فتريد لقاء الناس لتستروح ) أي لأجل أن تطلب الراحة والسكون ( إليهم و ) لأجل أن ( يتسامع الناس بها ) أي بالنفس ( فيستقبلونها بالتعظيم والبر ) والإحسان ( والإكرام فقلت لها ) يا نفسي ( لا أنزلك العمران ولا أنزلك على معرفة ) من الناس ( فأجابت ) أي تلك النفس ( فأسأت الظن ) أي ظني ( بها ) أي بإجابتها وانقيادها لذلك ( وقلت : اللّه تعالى أصدق القائلين ) حيث قال سبحانه وتعالى« إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ »( فقلت لها أقاتل العدو حاسرا ) أي كاشفا للبدن بلا درع ومغفر أو بلاجنة : أي ترس ( فتكونين أول قتيل ) أي مقتول في سبيل اللّه ( فأجابت فأسأت الظن ) أي ظني ( بها وعدد ) أحمد بن أرقم ( أشياء ) من أنواع الخير ( مما أرادها ) أي تلك الأشياء ( فأجابت ) نفسه ( إلى كل ذلك ) أي الذي أرادها . ( قال ) ابن أرقم ( فقلت