شكرا كثيرا ، فإنّ له المنّة والصّنع الّلطيف إذ رفع عنه المؤنة وأعطاه المعونة وحصل له الأصل والمقصود ودفع عنه الثقّل والواسطة وخرق له علائق العادة ، وأراه طريق القدرة وشبّه حاله بحال الملائكة ورفعه عن حالة البهائم والعامّة في تلك الكرامة ، فتأمّل هذا الأصل الكبير تغنم الرّبح الكثير العظيم إن شاء اللّه تعالى .
قلت أيضا : ولعلّك تقول : إنّك أطنبت في هذا الفصل خلاف شرط الكتاب .
فأقول لعمرو اللّه إنّه لقليل في جنب ما يحتاج إليه في هذا المعنى ، إذ هو أهمّ شأنا في العبادة ، بل عليه مدار أمر الدّنيا والعبوديّة ، فمن له همّة في هذا الشّأن فليستمسك بذلك وليرعه حقّه ، وإلّا فهو عن المقصود بمعزل ، والّذى يدلّك على بصيرة علماء الآخرة والعارفين باللّه : أنّهم بنوا أمرهم على التّوكّل على اللّه والتّفرّغ ،
شرح
مع الإيقان بما ذكر ( شكرا كثيرا ) ليزيده اللّه الإمداد قال تعالى« لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ »( فان له ) تعالى ( المنة والصنع اللطيف إذ رفع ) عز وجل ( عنه ) أي عن العبد ( المؤنة ) أي التعب في الأسباب ( وأعطاه ) أي العبد ( المعونة ) أي الإعانة للعبادة ( وحصل له ) أي للعبد ( الأصل والمقصود ودفع ) تعالى ( عنه الثقل ) أي ثقل الطعام ( والواسطة وخرق ) اللّه ( له علائق العادة وأراه ) أي العبد ( طريق القدرة وشبه ) تعالى ( حاله ) أي حال العبد ( بحال الملائكة ) أي في الاستغناء عن الأكل ( ورفعه ) اللّه تعالى ( عن حالة البهائم و ) حالة ( العامة ) الجاهلين ( في تلك الكرامة ) وهي المعونة ورفع المؤنة عن نفسه ( فتأمل هذا الأصل الكبير تغنم الربح الكثير العظيم إن شاء اللّه تعالى . قلت أيضا ) أي كما نقول ما تقدم ( ولعلك تقول إنك أطنبت ) أي بسطت الكلام ( في هذا الفصل ) أي فصل التوكل في أمر الرزق ( خلاف شرط ) هذا ( الكتاب ) المسمى بالمنهاج وشرطه الاختصار كما يعلم من أول الكتاب ( فأقول : لعمر اللّه ) أي بقاء اللّه واللام لتوكيد الابتداء والخبر محذوف والتقدير لعمر اللّه قسمي ولعمر اللّه ما أقسم به ( إنه ) أي ما أطنبت من الكلام في هذا الفصل ( لقليل في جنب ما يحتاج إليه في هذا المعنى ) أي في التوكل في أمر الرزق ( إذ هو ) أي هذا المعنى ( أهم شأنا في العبادة بل عليه ) أي على هذا المعنى ( مدار الدنيا والعبودية فمن له همة ) عالية ( في هذا الشأن ) أي شأن العبادة ( فليستمسك بذلك ) المعنى المذكور ( وليراعه ) أي يحفظه ( حقه وإلا ) أي إن لم يستمسك بالمعنى المذكور ولم يراع حقه ( فهو عن المقصود بمعزل ) أي مجانب له ( والذي يدلك على بصيرة علماء الآخرة العارفين باللّه أنهم ) أي علماء الآخرة ( بنوا أمرهم على التوكل على اللّه والتفرغ