وإن شاء بغير هذا كلّه ، فليس مطلوب العبد إلّا القوام والقوّة للعبادة ليس الا كل والشّرب وشدّة الشّهوة ونيل اللّذّة ، فلا اعتبار إذن بالأسباب ، ولهذا المعنى قويت العبّاد والزّهّاد على الأسفار وطىّ اللّيالى والأيّام ، فمنهم من لم يأكل عشرة أيّام ، ومنهم من لم يأكل شهرا وشهرين وهو على قوّته ،
شرح
إنهم لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون وأنهم يكونون فيها كما كانوا في الدنيا ، ورده السحيمي بقوله : وهذا يقتضى أن الحور والولدان كذلك انتهى وهم أجسام نورانية لطيفة بأرواح قادرون على التشكل بأشكال مختلفة في أشكال حسنة شأنهم الطاعة ، ومسكنهم السماوات غالبا ، ومنهم من يسكن الأرض صادقون فيما أخبروا به عن اللّه تعالى« يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ »لا ينقطعون ولا يعصون اللّه في الأمور التي قد أمرهم ويفعلون الأمر الذي يؤمرون به ، ومنهم الموكل بالحجب والسماوات والأرض والنار والتصوير في الرحم والبحار والسحاب ، وورد أنه ينزل مع كل قطرة ملك ، ومنهم حملة العرش ، ومنهم سياحون في الأرض يتبعون مجالس الذكر ، ومنهم المبلغون الصلاة إليه صلّى اللّه عليه وسلّم ممن صلى عليه ، ومنهم الحفظة لأبدان بني آدم ولأعمالهم وغير ذلك ، وبالجملة فهم خدمة الملك كله وليس في العالم من أعلاه إلى أسفله بشر إلا هو معمور بهم . قال بعضهم :
ولذا نهى عن الاستقبال والاستدبار للقبلة ببول أو غائط إكراما للمصلى منهم إليها قال تعالى« وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ »وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أطت السماء : أي صوتت وحق لها أن تئط ما من موضع إلا وفيه ملك ساجد أو راكع » والمراد كثرتهم وإن لم يكن هناك أطيط ، وورد أنه يدخل البيت المعمور كل يوم سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى يوم القيامة ويموتون بالنفخة الأولى إلا حملة العرش والرؤساء الأربعة فإنهم يموتون بعدها ، وأما قبلها فلا يموت منهم أحد ولا يلزمنا معرفة حقيقة جنسهم ولا من أي شئ خلقوا ، ويجب الإيمان بأنهم بالغون في الكثرة إلى حد لا يعلمه إلا اللّه تعالى على الإجمال إلا من ورد تعيينه باسمه المخصوص أو نوعه فيجب الإيمان بهم تفصيلا ، فالأول كجبريل ونحوه مما هو مقرر في بابه ، والثاني كحملة العرش والحفظة والكتبة ( وإن شاء ) اللّه تعالى إقامة البنية ( بغير هذا ) أي المذكور من الطعام والشراب وما بعده ( كله ) بالجر تأكيد أقامها به واللّه يفعل ما يشاء ( فليس مطلوب العبد إلا القوام ) أي قوام البنية ( والقوة للعبادة ليس ) أي مطلوبه ( الأكل والشرب وشدة الشهوة ونيل اللذة فلا اعتبار إذن ) أي حين كان المطلوب هو القوام والقوة للعبادة ( بالأسباب ) من الطعام والشراب ( ولهذا المعنى قويت العباد ) بضم العين جمع عابد