ولا تترك الشّهوة ، ثمّ إن استقبلتها بمنع رغيف تسكن وتترك شهوتها لتعلم خسّتها وجهلها ، فإيّاك أيّها الرّجل أن تغفل عنها ، فإنّها كما قال خالقها العالم بها جلّ جلاله
( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )
فكفى بهذا تنبيها لمن عقل .
شرح
طاعة ربها ( ولا تترك الشهوة ثم إن استقبلتها بمنع رغيف ) أو شربة ماء ( تسكن وتترك شهوتها ) وذلك ( لتعلم خستها وجهلها ، فإياك ) أي احذر ( أيها الرجل ) الطالب لطريق السلامة في العقبى ( أن تغفل ) بضم الفاء ( عنها ) أي عن تذكير النفس الأمارة بالسوء وعن وعظها بالموعظة البليغة ( فإنها كما قال خالقها العالم بها ) أي بجميع أحوالها ( جل جلاله :إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها وتستعمل القوى والجوارح في آثارها كل الأوقات ، كذا فسره البيضاوي ( فكفى بهذا ) الباء زائدة : أي قول خالقها العالم بجميع أحوالها ( تنبيها لمن عقل ) وأنصف في فكره ، وحينئذ ينبغي أن تراقب ربك وتحفظ جوارحك وقلبك ، فإن الإنسان قد يتحرك مثلا في طلب الخير والعمل من أعمال البر ، فيتفق أن يقع بصره على شئ له فيه هوى وشهوة فتميل نفسه إليه بالشره والمحبة ، فيتكدر عليه وقته ويظلم قلبه ويختل عليه في لحظة ما كابد أمره في سنة مثلا ، وكذلك سائر حواسه .
وقد شبه العلماء رضي اللّه عنهم النفس في مثل هذا بدابة استعارها رجل من مالكها ليتصرف بها في حاجاته ، وكانت دابة جموحة صعبة المراس فجاز بها المستعير في بعض تصرفاته على دار مولاها فنزعت إلى دار سيدها فإنه لا محالة يحتاج إلى صرف عنانها ، فإن تقاعست ضربها بالسوط والعصا حتى يصرفها بذلك عما نزعت إليه ، وقد يكون عليه في ذلك تعب ومئونة ، وسبب ذلك إنما هو خطوره بها على دار مولاها الذي ألفته واعتادته ، ولو لم يمر بها عليه لسلم ولم يحتج إلى معاناة ولا مكابدة ، فإن تغافل عنها حتى أدخلت يديها في عتبة الباب واستمكنت منها ثم أراد منعها من الدخول لم تطعه بوجه بل اقتحمت به باب الدار كرها ، وربما جرحت رأسه وآلمته ، وسبب ذلك إنما هو تمكينها من العمل بمقتضى طبيعتها وموافقة جبلتها فكذلك حال النفس ، قال :فالنفس إن أعطيتها هواها * فاغرة نحو هواها فاهاوالحاصل أن النفس من شأنها أبدا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق ، فهي لا تسعى إلا في ذلك ولو في عملها في الطاعات فضلا عن المعاصي ، ومن حاسب نفسه وراقب خواطره تبين له مصداق هذا ، وقد تجد من النشاط واللذة في نوع من العبادة ما لا تجده في نوع آخر وإن كان هذا النوع الآخر أتم فضيلة منه وما ذاك إلا من أجل أن حظها فيه أكثر من الآخر ، فأهل الخبرة والبصيرة يتهمون أنفسهم إذا ألفت بابا من أبواب العبادات لمعرفتهم بخداعها ومكايدها فيشوشون ذلك عليها وينتقلون منه ، وقد حكي عن أبي محمد المرتعش رحمه اللّه : أنه قال : حججت كذا وكذا حجة على التجريد فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظى ، وذلك أن والدتي سألتني يوما أن أستقي