كأنّك لم تقرأ بما في كتابه * فأصبحت منحول اليقين مباينا
ولهذا المعنى ينجرّ هذا الأمر إلى الشّكّ والشّبهة ، ويخاف على صاحبه - والعياذ باللّه - سلب المعرفة والدّين ، ولهذا المعنى قال سبحانه :
( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
شرح
كأنك لم تقرأ بما في كتابه ) العزيز من آية الضمان لرزق العباد ( فأصبحت ) أي صرت ( منحول ) أي ضعيف ( اليقين مباينا ) أي مبعدا عن اليقين ( ولهذا المعنى ) أي منحول اليقين ( ينجر هذا الأمر ) أي أمر الرزق ( إلى الشك والشبهة ويخاف ) بالبناء للمفعول ( على صاحبه ) أي الشك ( والعياذ باللّه سلب المعرفة والدين ، ولهذا المعنى ) أي انجرار هذا الأمر إلى الشك والشبهة والخيفة على صاحبه سلب المعرفة والدين ( قال ) اللّه ( سبحانه -وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فمع شرفه قد أوجبه على سائر المؤمنين ، لأن الإيمان يوجب على المؤمن مدلوله ومدلولات الإيمان هي الناشئة عن نفس الإيمان بحسب الملاحظات ، فمن لاحظ عن زيد أنه قائم بالأمر عول عليه واعتمد على كفايته ، وإن لاحظ مع كونه قائما بالأمر أنه حكيم في علمه وأفعاله فيما يقدم ويؤخر وفيما يرفع ويخفض سلم الأمر إليه واستسلم لحكمه ، لأن التفويض معناه ترك اختيار العبد لحسن اختيار اللّه له ، والاستسلام هو انقياد العبد وإذعانه لما اختاره اللّه له وبما حكم به عليه من الأمر والنهى وملازمة الحدود التي حدها له وإن لاحظ مع ذلك كمال صدقه ووفاء وعده وثق به ، لأن الثقة نتيجة التصديق ومعناه الربط على القلب وعدم الانفصام على ما حواه من التصديقات ، فالثقة إذن على هذا مكملة لجميع المقامات والأحوال ، ولهذا قال أبو إسماعيل الهروي : الثقة سواد عين التوكل ونقطة دائرة التفويض وسويداء قلب التسليم ، وإن لاحظ بعد ذلك ألوهيته مال إليه بوجهه وانصرف إليه بكليته ، وإن لاحظ المعنى الجامع لصفات ألوهيته هو المعبر عنه بقولك : اللّه حصل الدهش والتحير ، فهكذا ينبغي أن يفهم ملاحظة مدلولات الإيمان . وقال صاحب القوت : وقد أمر اللّه بالتوكل وقرنه بالإيمان ليدل بذلك أنهما شيئان إذ التوكل على الوكيل هو من الإيمان بالمؤمن لأنه عن حقيقة الإيمان وهو اليقين وبمشاهدة الوكيل وهو الحسب الحسيب ونعم الوكيل فأمر بالتوكل قولا وفعلا بعد الإخبار عن محبته للمتوكل عليه فقال تعالى« قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا »مع اشتراط التوكل للايمان بعد الأمر به في قوله تعالى« وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا،إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ »فلم يخرج عموم المسلمين من شرط عموم المتوكل كما لم يخرج خصوص المؤمنين من شرط وجود الإسلام ، وكما كل مؤمن حقا مسلم لا بد عملا كذلك كل مسلم صدقا يكون على اللّه متوكلا فقد صار المتوكل من عباد الرحمن الذين أضافهم إلى وصف الرحمة ومن عباد التخصيص الذين ضمن لهم الكفاية وهم الذين وصفهم في الكتاب بالهون والسكينة ونعتهم بالسلامة والخوف وذكرهم بالسجود والقيام