منهم الشّيطان بعد طول تلك الرّياضات وكثرة المجاهدات التي سبقت لهم ، حتّى يحتاجوا إلى دفعه بهذه المناقضات ، ولعمري أنّ من جاهد النّفس والشّيطان سبعين سنة لا يأمن أن يوسوسا له كما يوسوسان للمبتدئ في العبادة بل لغافل لم يجتهد ساعة في الرّياضة ولو ظفرا به لفضحاه وأهلكاه هلاك الغافلين المغترّين ، وفي ذلك عبرة لأولى الأبصار . والثّالثة : أن تعلم أنّ الأمر لا يتمّ إلّا بالجدّ المحض والمجاهدة البالغة فإنّهم كانوا لحما ودما وبدنا وروحا مثلك بل كانوا أنحف أبدانا وأضعف أركانا وأدقّ عظاما منك ولكن كانت لهم قوّة العلم ونور اليقين وهمّة أمر الدّين حتّى قووا على مثل تلك المجاهدات والقيام بحقّ تلك المقامات ، فانظر لنفسك رحمنا اللّه وإيّاك وداوها من هذا الدّاء المعضل لعلّك تفلح إن شاء اللّه تعالى .
شرح
منهم الشيطان بعد طول تلك الرياضات و ) بعد ( كثرة المجاهدات التي سبقت لهم ) أي الأئمة ( حتى يحتاجوا إلى دفعه ) أي الشيطان ( بهذه المناقضات ) والمجاهدات ( ولعمري ) قسمي ( إن من جاهد النفس والشيطان سبعين سنة ) مثلا ( لا يأمل أن يوسوسا ) أي النفس والشيطان ( له ) أي لذلك المجاهد زمنا طويلا ( كما يوسوسان ) أي كوسوستهما ( للمبتدىء في العبادة ، بل ) كما يوسوسان ( لغافل ) عن عاقبة أمره ( لم يجتهد ساعة ) أي قطعة من الزمن ( في الرياضة ) والمجاهدة ( ولو ظفرا ) أي النفس والشيطان ( به ) أي بمن ذكر ( لفضحاه ) أي أوقعاه في الفضيحة ( وأهلكاه ) أي أوقعاه في الهلاك ( هلاك الغافلين المغترين وفي ذلك ) أي الوقوع في الفضيحة والإهلاك ( عبرة ) اعتبار ( لأولى الأبصار . والثالثة أن تعلم أن الأمر ) أي أمر التوكل ( لا يتم إلا بالجد المحض والمجاهدة البالغة ) أي الكاملة ( فإنهم ) أي أولئك الأئمة ( كانوا لحما ودما وبدنا وروحا مثلك بل كانوا أنحف ) أي أهزل ( أبدانا وأضعف أركانا ) أي جوارح وأعضاء ( وأدق عظاما منك ولكن كانت لهم قوة العلم ) والعمل ( ونور اليقين وهمة أمر الدين حتى قووا على مثل تلك المجاهدات ) الشديدة ( و ) على ( القيام بحق تلك المقامات ) الرفيعة ( فانظر لنفسك رحمنا اللّه وإياك وداوها ) أي النفس ( من هذا الداء المعضل ) الذي أعجز الأطباء ( لعلك تفلح ) أي تفوز ( إن شاء اللّه تعالى ) وباللّه التوفيق والعصمة .