من اللّيل إذا أنا بإنسان يدقّ الباب ومعه سراج ، فلمّا كثر الدّقّ فتحت الباب فإذا أنا بعجوز معها شابّ وقد دخلت فوضعت بين يدىّ طبقا من الخبيص وقالت : هذا الشّابّ ولدى صنعت له هذا الخبيص وجرى بيننا كلام ، فحلف أن لا يأكل حتّى يأكل معه رجل غريب ، أو قالت هذا الغريب الّذى في المسجد : فكل رحمك اللّه فأخذت تضع في فمي لقمة وفي فم ولدها لقمة حتّى اكتفينا ثمّ انصرفا وأغلقت الباب علىّ متعجّبا ممّا جرى ، فهذه وأمثالها من مجاهدات الصّالحين ومناقضتهم للشّيطان ، فإنّ لك في ذلك فوائد ثلاثة : إحداها أن تعلم أنّ الرّزق لا يفوت من قدّر له بحال . والثانية : أن تعلم أنّ أمر الرّزق والتّوكّل لمهمّ جدّا وأنّ للشّيطان فيه غوائل ووساوس عظيمة حتّى أنّ مثل ألئك الأئمّة الزّهّاد لم يتخلّصوا من ذلك ولم ييأس
شرح
من الليل ) صدر كل شئ أوله ( إذا أنا بإنسان يدق الباب ومعه ) أي الإنسان ( سراج ) أي مصباح ( فلما أكثر ) الإنسان ( الدق ) أي دق الباب وقرعه ( فتحت الباب فإذا أنا بعجوز معها شاب وقد دخلت ) أي تلك العجوز ( فوضعت بين يدي طبقا من الخبيص ) نوع من الحلاوات تعمله العرب من التمر والسمن والخضر من الأرز والدبس ، وهو مأخوذ من الخبص : بمعنى الخلط ( وقالت ) أي العجوز ( هذا الشاب ولدى صنعت له هذا الخبيص وجرى بيننا كلام ) أي نوع من الخصومة ( فحلف ) ولدى ( أن لا يأكل ) هذا الخبيص ( حتى يأكل معه ) أي مع ولدى ( رجل غريب أو قالت ) العجوز حتى يأكل معه ( هذا ) الرجل ( الغريب الذي في المسجد ، فكل ) هذا الخبيص ( رحمك اللّه ) قال بعض مشايخنا ( فأخذت ) أي شرعت تلك العجوز ( تضع في فمي لقمة ) ( و ) تضع ( في فم ولدها لقمة حتى اكتفينا ثم انصرفا ) أي العجوز وولدها من مكاني ( وأغلقت الباب ) أي باب المسجد ( على متعجبا مما جرى ) لي مع العجوز وولدها ( فهذه ) أي الحكاية المذكورة ( وأمثالها من مجاهدات الصالحين ) أي القائمين بحقوق اللّه وحقوق عباده ( ومناقضتهم ) ومخالفتهم ( للشيطان فان لك في ذلك ) أي المذكور من هذه الحكاية وأمثالها ( فوائد ثلاثة : إحداها أن تعلم أن أمر الرزق لا يفوت من قدر ) بالبناء للمفعول من التقدير والنائب عن الفاعل الرزق ( له بحال ) سواء طلب أو لم يطلب ( والثانية أن تعلم أن أمر الرزق والتوكل لمهم جدا و ) أن تعلم ( أن للشيطان فيه ) أي في أمر الرزق والتوكل ( غوائل ) أي غرورا وشرورا ( ووساوس عظيمة حتى إن مثل أولئك الأئمة الزهاد لم يتخلصوا من ذلك ) المذكور من الغوائل والوساوس ( ولم ييأس