بأنّ هذه بادية مهلكة ولا زاد معك ولا سبب فعزم على نفسه رحمه اللّه أن يقطع البادية على تجرّده ذلك وأن لا يقطعها حتّى يصلّى تحت كلّ ميل من أميالها ألف ركعة وقام بما عزم عليه وبقي في البادية اثنتي عشرة سنة حتّى إنّ الرّشيد حجّ في بعض تلك السّنين فرآه تحت ميل يصلّى فقيل له هذا إبراهيم بن أدهم يصلّى فأتاه فقال له كيف تجدك يا أبا إسحق ؟ فأنشأ إبراهيم يقول :
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقّع
فطوبى لعبد آثر اللّه ربّه * وجاد بدنياه لما يتوقّع
شرح
ابن أدهم ( بأن هذه ) أي البادية التي أردت أن تدخلها ( بادية مهلكة ولا زاد معك ولا سبب فعزم على نفسه رحمه اللّه أن يقطع البادية ) ولم يلتفت إلى وسواس الشيطان ( على تجرده ) أي ابن أدهم ( ذلك ) أي الزاد والسبب ( و ) عزم ( أن لا يقطعها ) أي البادية ( حتى يصلى تحت كل ميل ) الميل قدر مد البصر من الأرض ومنار يبنى للمسافر أو مسافة من الأرض متراخية بلا حد أو مائة ألف أصبع إلا أربعة آلاف أصبع أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ بل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين كما في القاموس ( من أميالها ) أي البادية ( ألف ركعة وقام ) ابن أدهم ( بما عزم ) أي قصد ( عليه ) أي من دخول البادية بغير زاد وصلاة ألف ركعة تحت كل ميل من أميالها ( وبقي ) ابن أدهم ( في البادية اثنتي عشرة سنة حتى إن ) هارون ( الرشيد ) هو أحد الخلفاء العباسية . ولد هارون في سنة تسع وأربعين ومائة ، وولى الخلافة بالعراق سنة سبعين ومائة ، فكانت مدته ثلاثا وعشرين سنة ، وكان يحج سنة ويغز وسنة ( حج ) إلى بيت اللّه الحرام ( في بعض تلك السنين فرآه ) أي رأى الرشيد ابن أدهم ( تحت ميل يصلى فقيل له ) أي للرشيد ( هذا ) أي الشخص الذي تحت الميل ( إبراهيم بن أدهم يصلى فأتاه ) أي أتى الرشيد ابن أدهم ( فقال ) الرشيد ( له ) أي لا بن أدهم ( كيف تجدك ) أي تجد نفسك ( يا أبا إسحق ) كنية إبراهيم ( فأنشأ إبراهيم ) ابن أدهم ( يقول ) من بحر الطويل ( نرقع ) أي نصلح ، رقع الثوب بمعنى رقعه ورقع الثوب ألحم خرقه وأصلحه بالرقاع كذا في سراج السالكين ( دنيانا بتمزيق ) أي بتخريق وتشقيق ( ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع ) يعنى الدنيا ( فطوبي لعبد آثر ) أي اختار ( اللّه ربه * وجاد ) أي سخي ( بدنياه لما يتوقع ) . وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق يعلى بن عبيد قال : دخل إبراهيم بن أدهم على أبى جعفر أمير المؤمنين ، فقال كيف شأنكم يا أبا إسحاق ؟ قال يا أمير المؤمنين :نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع