وأمّا الأخيار الّذين هم أولو الأبصار وأرباب الجدّ والاجتهاد فأبصروا طريق السّماء فلم يعبئوا بأسباب الأرض واعتصموا بحبل اللّه فلم يكترثوا بعلائق الخلق وتيقنّوا بآيات اللّه تعالى وأبصروا طريقه ، فلم يلتفتوا إلى وساوس الشّيطان والخلق والنّفس ، فإذا وسوس لهم شيطان أو نفس أو إنسان بشئ قاموا معه بالمناقشة والمدافعة والمخالفة حتّى ولّي الخلق عنهم واعتزل عنهم الشّيطان وانقادت لهم النّفس واستقام لهم الطّريق المستقيم على ما ذكر عن إبراهيم بن أدهم رحمه اللّه أنّه لمّا أراد أن يدخل البادية أتاه الشّيطان فخوّفه
شرح
حكاها اللّه سبحانه وتعالى عن نبيه إبراهيم عليه السّلام بقوله« أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى »الآية . قال ذو النون المصري رحمه اللّه : ثلاثة من أعلام اليقين : قلة مخالطة الناس في العشرة وترك المدح لهم في العطية ولا ينافيه طلب الدعاء لهم وشكرهم لأنهما يحصلان بنحو جزاك اللّه خيرا وأكرمك اللّه ، والمدح ذكر المحاسن المقترن غالبا بدخول العجب على الممدوح والتنزه عن ذمهم عند منعهم العطية إذ المانع حقيقة هو اللّه تعالى ولا يليق الذم بغير الفاعل فذمه هنا يخشى منه ذم الفاعل حقيقة .
وبالجملة من تيقن أن اللّه هو الرزاق في سائر الأحوال حصلت منه هذه الثلاثة ( وأما الأخيار الذين هم أولو ) أي أصحاب ( الأبصار ) والبصائر ( وأرباب الجدو الاجتهاد فأبصروا طريق السماء ) أي الذي يشار إليه بقوله تعالى« وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ »الآية ( فلم يعبثوا ) أي لم يبالوا ( بأسباب الأرض واعتصموا ) أي تمسك الأخيار أولو البصائر ( بحبل اللّه ) أي بدينه الإسلام أو بكتابه لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « القرآن حبل اللّه المتين » استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة من الردى كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردى وللوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحا للمجاز . وفي أفراد مسلم من حديث زيد بن أرقم رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ألا وإني تارك فيكم ثقلين :
أحدهما كتاب اللّه هو حبل اللّه من اتبعه كان على الهدى ، ومن تركه كان على ضلالة » الحديث ( فلم يكترثوا ) أي لم يبالوا ( بعلائق الخلق وتيقنوا ) أي الأخيار ( بآيات اللّه تعالى وأبصروا طريقه ) أي دينه ( فلم يلتفتوا ) بقلوبهم ( إلى وساوس الشيطان والخلق والنفس فإذا وسوس لهم ) أي لهؤلاء الأخيار ( شيطان أو نفس أو إنسان بشئ قاموا معه ) أي مع الموسوس من الشيطان أو النفس أو الإنسان ( بالمناقشة ) أي بالمنازعة ( والمدافعة والمخالفة حتى ولى الخلق ) أي أعرضوا ( عنهم ) عن هؤلاء الأخيار ( واعتزل عنهم ) أي عن الأخيار ( الشيطان وانقادت لهم النفس واستقام لهم الطريق المستقيم على ما ذكر عن )