فاصبر وإن طالت اللّيالى * فربّما أمكن الحرون
وربّما نيل باصطبار * ما قيل هيهات لا يكون
ولقائل آخر :
صبرت وكان الصّبر منّى سجيّة * وحسبك أنّ اللّه أثنى على الصّبر
سأصبر حتّى يحكم اللّه بيننا * فإمّا إلى يسر وإمّا إلى عسر
فعليك باغتنام هذه الخصلة الشّريفة المحمودة وبذل المجهود فيها تكن من الفائزين ، واللّه تعالى ولى التّوفق .
فإن قلت فما حقيقة الصّبر وحكمه ؟ فاعلم أنّ لفظة الصّبر من طريق اللّغة الحبس ، قال اللّه تعالى :
( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ )
الآية . أي احبس نفسك معهم
شرح
( فاصبر وإن طالت الليالي ) والأيام ( فربما أمكن الحرون ) أي الذي لا ينقاد من الخيل ( وربما ) للتكثير ( نيل باصطبار ) أي بصبر ( ما قيل ) من الأمر ( هيهات ) أي بعد ( لا يكون ) أي لا يوجد الأمر ( ولقائل آخر ) من بحر الطويل ( صبرت وكان الصبر منى سجية * وحسبك ) أي كافيك ( أن اللّه أثنى على الصبر .
سأصبر حتى يحكم اللّه بيننا * فإما إلى يسر وإما إلى عسر . فعليك ) أي الزم ( باغتنام هذه الخصلة الشريفة المحمودة ) وهي الصبر ( وبذل المجهود فيها ) أي في تلك الخصلة ( تكن من الفائزين ) في الدارين ( واللّه تعالى ولى التوفيق . فان قلت فما حقيقة الصبر وحكمه ؟ ) أي حكم الصبر ( فاعلم أن لفظة الصبر من طريق اللغة الحبس ) والكف في ضيق ومنه قتل فلان صبرا : إذا أمسك وحبس للقتل ( قال اللّه تعالى« وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ») الآية نزلت في عيينة بن حصن الفزاري « أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن يسلم وعنده جماعة من الفقراء منهم سلمان وعليه شملة صوف قد عرق فيها وبيده خوص يشقه وينسجه ، فقال عيينة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أما يؤذيك ريح هؤلاء ونحن سادات مضر وأشرافها إن أسلمنا أسلم الناس وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحهم حتى نتبعك أو اجعل لنا مجلسا فأنزل اللّه عز وجل« وَاصْبِرْ نَفْسَكَ »أي احبس يا محمد نفسك ( مع الذين يدعون ) يعبدون ( ربهم الآية ) أي اقرأ تمامها وهو «بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» قال المصنف ( أي احبس نفسك معهم ) والصبر ضربان : صبر بدني وذلك كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها على قدر قوة البدن ونهايته معلومة وأكثرها لذوي الجسوم الخشنة وليس ذلك بفضيلة تامة ، ولهذا قال الشاعر :والصبر بالأرواح يعرف فضله * صبر الملوك وليس بالأجسام