في جواب يعقوب عليهما السّلام : إنّ آباءك صبروا فظفروا فاصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا ؛
شرح
الثعلبي في كتابه العرائس في قصة يوسف : أنه كان أبيض اللون حسن الوجه جعد الشعر ضخم العين مستوى الخلق غليظ الساعدين والعضدين والساقين خميص البطن أقنى الأنف صغير السرة ، وكان نجده الأيمن خال أسود وكان ذلك الخال يزين وجهه وبين عينيه شامة تزيده حسنا ، وكان جده إسحاق حسنا وكانت أم إسحاق سارة حسنة . قالوا : وأعطى اللّه يوسف من الحسن وصفاء اللون ونقاء البشرة ما لم يعط أحدا . قالوا ورثت سارة هذا الحسن من جدتها حواء زوج آدم . قال الثعلبي عن العلماء بأخبار الماضين : أقام يعقوب وأولاده بعد قدومهم على يوسف بمصر أربعا وعشرين سنة بأغبط عيش فلما حضرته الوفاة أوصاهم بأن يحمل جسده إلى بيت المقدس ويدفن عند أبيه وجده فخرج به يوسف بمصر وإخوته وعسكره محمولا في تابوت ، كان عمر يعقوب مائة وسبعا وأربعين سنة وعاش يوسف بعد يعقوب ثلاثا وعشرين سنة ، وتوفى وهو ابن مائة وعشرين سنة ودفن بمصر في النيل ثم حمله موسى في زمنه إلى الشام حين خرجت بنو إسرائيل من مصر إلى الشام ، كذا نقله العلامة عبد الحق عن تهذيب الأسماء ( في جواب ) كتاب أبيه ( يعقوب عليهما السّلام : إن آباءك ) من الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ( صبروا فظفروا فاصبر ) أنت ( كما صبروا تظفر كما ظفروا ) قال صاحب البصائر نقلا عن بعض المشايخ كان صبر يوسف عليه السّلام عن طاعة امرأة العزيز أكمل من صبره على إلقاء إخوته إياه في الجب وبيعهم وتفريقهم بينه وبين أبيه فان هذه أمور جرت عليه بغير اختياره لا كسب له فيها ليس للعبد حيلة فيها عن الصبر . وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضا ومحاربة للنفس ، ولا سيما مع أسباب تقوى معها داعية الموافقة فإنه كان شابا وداعية الشاب إليها قوية ، وكان عزبا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته ، وغريبا والغريب لا يستحى في بلد غربته مما يستحى منه بين أصحابه وأهله ، ويحسبونه مملوكا والمملوك ليس وازعه كوازع الحر ، والمرأة جميلة وذات منصب وقد غاب الرقيب وهي الداعية له إلى نفسها والحريصة على ذلك أشد الحرص ومع ذلك توعدته بالسجن إن لم يفعل ، فمع هذه الدواعي كلها صبر اختيارا وإيثارا لما عند اللّه ، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه ؟ والصبر على أداء الطاعات أكمل من الصبر على اجتناب المحرمات ، فان مصلحة فعل الطاعة أحب إلى الشارع من مصلحة ترك المعصية ومفسدة عدم الطاعة أبغض إليه وأكره من مفسدة وجود المعصية .
واعلم أن الشكوى إلى اللّه عز وجل لا تنافى الصبر ، فان يعقوب عليه السّلام وعد بالصبر الجميل والنبي إذا وعد لا يخلف ، ثم قال «إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ» وكذلك أيوب عليه السّلام أخبر اللّه عنه أنه وجده صابرا مع قوله «مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» وإنما ينافي الصبر شكوى اللّه لا الشكوى إلي اللّه كما رؤى بعضهم يشكو إلى آخر فاقة وضرورة ، فقال يا هذا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك ، ثم أنشد :