وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً )
ثمّ قال : (
وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
) فكأنّه يقول : وطّنوا أنفسكم على أنّه لا بدّ لكم من أنواع البلايا ، فإن تصبروا فأنتم الرّجال وعزائمكم عزائم الرّجال ؛ فإذن من عزم على عبادة اللّه سبحانه يجب أوّلا أن يعزم على الصّبر الطّويل ويوطّن نفسه على احتمال المشاقّ العظيمة المتوالية إلى الموت ، وإلّا فقد قصد الأمر بغير آلته وأتاه من غير وجهه .
ولقد ذكر عن الفضيل رحمه اللّه
شرح
( وأنفسكم ) يعنى بالمصائب والأمراض والقتل وفقد الأقارب والعشائر ( ولتسمعن من الذين أوتو الكتاب من قبلكم ) يعنى اليهود والنصارى الشتم والطعن والكذب والزور على اللّه ( ومن الذين أشركوا ) يعنى مشركي العرب أيضا ( أذى كثيرا ) بالشتم والضرب والطعن والقتل والكذب والزور على اللّه تعالى ( ثم قال ) تعالى ( وأن تصبروا ) الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وللمسلمين : يعنى على أذاهم ( وتتقوا ) فيما أمركم به ونهاكم عنه ، لأن الصبر عبارة عن احتمال الأذى والمكروه ، والتقوى عبارة عن الاحتراز عما لا ينبغي ( فان ذلك ) يعني الصبر والتقوى ( من عزم الأمور » ) أي من صواب التدبير الذي لا شك أن الرشد فيه ولا ينبغي لعاقل تركه ، وأصله من قولك عزمت عليك أن تفعل كذا : أي ألزمتك أن تفعله لا محالة ولا تتركه ، وقيل معناه فان ذلك مما قد عزم عليكم فعله : أي ألزمتم الأخذ به . قال المصنف ( فكأنه ) سبحانه وتعالى ( يقول وطنوا أنفسكم على أنه ) أي الشأن ( لا بد لكم من أنواع البلايا فان تصبروا ) على ذلك ( فأنتم الرجال ) الكرام ( وعزائمكم عزائم الرجال ) وفي الخازن : خوطب بهذه الآية المسلمون ليوطنوا أنفسهم على احتمال الأذى وما سيلقون من الشدائد والمصائب ليصبروا على ذلك حتى إذا لقوها لقوها وهم مستعدون بالصبر لها لا يرهقهم ما يرهق غيرهم ممن تصيبه الشدة بغتة فينكرها ويشمئز منها ( فإذن ) أي حين إذا فهمت المعنى المذكور ( من عزم على عبادة اللّه سبحانه يجب أولا ) أي قبل شروعه في العبادة ( أن يعزم على الصبر الطويل و ) أن ( يوطن ) أي يقرر ويمهد ( نفسه على احتمال المشاق العظيمة المتوالية إلى الموت وإلا ) أي وإن لم يعزم على الصبر الطويل ولم يوطن نفسه علي الاحتمال ( فقد قصد الأمر بغير آلته وأتاه من غير وجهه ) أي جهته ( ولقد ذكر عن الفضيل ) ابن عياض بن مسعود بن بشر أبي على التميمي اليربوعي الزاهد ( رحمه اللّه ) وتقدمت ترجمته