تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
أن تضيّع أيّامك مع هؤلاء الخلق مع قلّة الوفاء وقلّة البقاء معهم وتترك خدمة اللّه تعالى الّذى يرجع إليه الأمر وحده ، فلا يبقى إلّا هو أبد الآبدين ؛ والحاجات كلّها إليه ، والتّكلان كلّه عليه ، والاعتصام كلّه في كلّ حال وعند كلّ شدّة وهول به وحده لا شريك له ؛ فتأمّل يا مسكين لعلّك ترشد إن شاء اللّه تعالى ، واللّه ولى الهداية بفضله . وأمّا النّفس : فحسبك ما تشاهده من حالاتها ورداءة إرادتها وسوء اختيارها ،
شرح
فهو غبين : أي ضعيف الرأي انتهى ( أن تضيع أيامك ) أي أوقاتك ( مع هؤلاء الخلق ) الذين يشغلونك عن عبادة مولاك ( مع قلة الوفاء ) للعهد ( وقلة البقاء معهم وتترك خدمة اللّه تعالى ) أي طاعته ( الذي يرجع إليه ) تعالى ( الأمر ) كله ( وحده ) أي منفردا بذاته ( فلا يبقى لك إلا هو ) عز وجل ( أبد الآبدين والحاجات ) أي الدنيوية والأخروية ( كلها إليه ) سبحانه وتعالى ( والتكلان ) أي التوكل والاعتماد ( كله عليه ) تعالى ( والاعتصام ) أي الاستمساك والالتجاء ، في محيط المحيط : اعتصم به أمسكه بيده ، وبصاحبه لزمه ، وباللّه امتنع بلطفه من المعصية وفلان من الشر والمكروه التجأ وامتنع ( كله ) أي كل الاعتصام ( في كل حال وعند كل شدة ) وبلية ( وهول ) وألم النازل ( به ) تعالى ( وحده لا شريك له فتأمل ) هذه الجملة المذكورة ( يا مسكين ) أي يا من قل علمه ( لعلك ترشد ) إلى طريق الصواب والهداية ( إن شاء اللّه تعالى واللّه ولى الهداية بفضله ) تعالى . قال بعضهم : والفضل إعطاء الشئ لغير عوض لا عاجل ولا آجل ، ولذا لا يكون لغيره تعالى

[ الكلام في عداوة النفس وما ورد فيها من الآيات القرآنية والآثار عن بعض الصالحين ]

( وأما النفس فحسبك ما تشاهده ) وتعاينه ( من حالاتها ) القبيحة ( ورداءة إرادتها وسوء اختيارها ) وقد خلقت أمارة بالسوء ، ميالة إلى الشر ، فرارة من الخير ، وأمرت بتزكيتها وتقويمها وتعديلها وقودها بسلاسل القهر إلي عبادة ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها ، فإن أهملتها جمحت وعصت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك واحتجت إلى معالجة شديدة . وإن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة والعذل والملامة كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم اللّه بها ورجوت أن تصير النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عبادة اللّه راضية مرضية كما قال اللّه تعالى :« يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي »فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها ومعاتبتها ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك ، فقد ورد أنه أوحى اللّه إلى عيسى عليه السّلام « يا ابن مريم عظ نفسك فان اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحى منى » رواه أحمد في الزهد عن مالك بن دينار ، وقد ذكرنا أقسام النفس