ولقد أعلمنا اللّه سبحانه وتعالى باتّقاء المحن والمصائب وابتلائنا بها ، وحقّق ذلك وأكّده فقال تعالى :
( لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ
شرح
العيلة والفقر والخمول والضر وهو خير له في الآخرة ، وقد يحب الغنى والعافية والشهرة وهو شر له عند اللّه تعالى وأسوأ عاقبة وفي معنى ذلك قوله تعالى« وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً »وقيل ظاهرة العوافى وباطنة البلايا لأنها نعمة الآخرة فإذن كل ما يصيب المؤمن فهو نعمة كائنا ما كان فله الحمد على نعمه . قال ابن عطاء في التنوير : إنما يقويهم على حمل أقداره شهود حسن اختياره ، وأنشد فيه لنفسه بقوله :وخفف عنى ما ألاقى من العنا * بأنك أنت المبتلى والمقدر
وما لامرئ عما قضى اللّه معدل * وليس له منه الذي يتخيروكان أبو علي الدقاق رحمه اللّه يقول : جربت مرة وكنت في صورة وحشة من ذلك فدخلت الحمام ففتح على قلبي شئ من الرضا فكنت ألثم كل واحدة من تلك القروح فخرجت ولم يبق منها أثر . وقال القشيري رحمه اللّه : سمعت الأستاذ أبا على الدقاق يقول في آخر عمره وقد اشتدت به العلة : من أمارات التأييد حفظ التوحيد في أوقات الحكم ثم قال كالمفسر لقوله مشيرا إلى ما كان فيه من حاله هو أن يقرضك بمقاريض القدرة في إمضاء الأحكام قطعة قطعة وأنت ساكن خامد . وقال الجنيد رحمه اللّه : كنت نائما عند سرى السقطي رحمه اللّه فنبهنى وقال لي يا جنيد رأيت كأني قد وقفت بين يديه جل وعز فقال لي : يا سرى خلقت الخلق فكلهم ادعوا محبتي فخلقت الدنيا فهرب منى تسعة أعشارهم وبقي معي العشر وخلقت الجنة فهرب منى تسعة أعشار العشر وبقي معي عشر العشر ، وخلقت النار فهرب منى تسعة أعشار عشر العشر فسلطت عليهم ذرة من البلاء فهرب منى تسعة أعشار عشر عشر العشر . فقلت للباقين معي : لا الدنيا أردتم ولا الجنة أخذتم ولا من النار هربتم ولا من البلاء فررتم فما ذا تريدون ؟ قالوا إنك لتعلم ما نريد ، فقلت لهم إني أسلط عليكم من البلاء بعدد أنفاسكم ما لا تقوم به الجبال الرواسي أتصبرون ؟ قالوا إذا كنت أنت المبتلى فافعل ما شئت فهؤلاء عبادي حقا ( ولقد أعلمنا اللّه سبحانه وتعالي بإتقاء المحن والمصائب وابتلائنا بها ) أي بتلك المحن والمصائب ( وحقق ) سبحانه وتعالى ( ذلك ) أي المذكور من الاتقاء والابتلاء ( وأكده ) أي ما ذكر منهما حتى حسن ذكره ( فقال تعالى « لتبلون ) اللام لام القسم تقديره واللّه لتبلون : أي لتختبرن فتوقع عليكم المحن ليعلم المؤمن وغيره ، والاختبار طلب المعرفة ليعرف الجيد من الردىء وذلك في وصف اللّه تعالى محال لأن اللّه تعالى عالم بحقائق الأشياء كلها قبل أن يخلقها ، فعلى هذا يكون معنى الاختبار في وصف اللّه تعالى أنه يعامل العبد معاملة المختبر ( في أموالكم ) يعنى بالابتلاء في الأموال بالنقصان منها ، وقيل بأداء ما فرض فيها من الحقوق