أنّ طالب الآخرة أشدّ ابتلاء وأكثر محبّة أبدا ، ومن كان إلى اللّه أقرب فالمصائب في الدّنيا أكثر ، والبلاء عليه أشدّ ، أما تسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
« أشدّ النّاس بلاء الأنبياء ثمّ العلماء ثمّ الأمثل فالأمثل » فإذن من قصد الخير وتجرّد لطريق الآخرة استقبلته هذه المحن ، فإن لم يصبر عليها ولا يكون بحيث لا يلتفت إليها انقطع عن الطّريق واشتغل عن العبادة ، فلا يصل إلى شئ من ذلك .
شرح
الأربعة ( أن طالب الآخرة أشد ابتلاء وأكثر محنة أبدا ، ومن كان إلى اللّه أقرب فالمصائب في الدنيا أكثر والبلاء عليه أشد ، أما تسمع قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أشد الناس بلاء ) أي محنة واختبارا ( الأنبياء ) والمراد بهم ما يشمل الرسل عليهم الصلاة والسّلام كما في [ سراج السالكين ] وبهذا لما قال إنسان يا رسول اللّه إن بي حمى شديدة . قال صلّى اللّه عليه وسلّم « إني لأمعك كما يمعك الرجلان منكم » وذكر الحديث : أي إذا أصاب أحدكم مرض ثم أصابني ذلك المرض كان على في المشقة مثل مشقته على رجلين . فان قيل أن المحب لا يضر محبه : أجيب بأنه تعالى إذا أحب إنسانا ألقى في قلبه محبته تعالى فيحدث الإنسان نفسه أنه يحبه تعالى فيختبره تعالى بالمرض من جهة أنه محب لا محبوب فكأنه يقول زعمتم محبتي فأختبركم حينئذ هل تصدقون في ذلك كذا ذكره العلامة الحفنى ( ثم العلماء ) وفي رواية « ثم الصالحون » ( ثم الأمثل فالأمثل ) أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى فهم معرضون للمحن والبلاء ، والسر في ذلك أن البلاء في مقابلة النعمة ، فمن كانت نعمة اللّه عليه أكثر كان بلاؤه أشد إلا أنه كلما قويت المعرفة بالمبتلى هان عليه البلاء ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « ليس بمؤمن » أي مستكمل الإيمان « من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة » ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء ، وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض ، وأرفع منه من شغلته المحبة عن طلب رفع البلاء ، وهذا الحديث رواه الطبراني في الكبير عن فاطمة أخت حذيفة . قال العلقمى : بجانبه علامة الحسن ( فإذن ) أي حين إذ كان الأمر كما في الحديث ( من قصد الخير وتجرد لطريق الآخرة ) أي سلوكها ( استقبلته هذه المحن ) والمصائب ( فإن لم يصبر عليها ) أي على هذه المحن والمصائب ( ولا يكون بحيث لا يلتفت إليها انقطع عن الطريق واشتغل عن العبادة فلا يصل إلى شئ من ذلك ) أي قصده الخير وتجرده لطريق الآخرة .