شرح
أنتم تحبون ثلاثة أشياء وليس هي لكم : تحبون النفس وهي لهواها وتحبون الروح والروح للّه وتحبون المال والمال للورثة وتطلبون اثنين ولا تجدونهما الراحة والفرح وهما في الجنة ، فالواجب على العبد أن لا يوطن على الراحة في الدنيا نفسا ولا يركن فيها إلى ما يقتضى فرحا وأنسا وأن يعمل على قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما روى عنه أبو هريرة رضى اللّه عنه « الدنيا سجن المؤمن » فتوطين العبد على المحن في دنياه يهون عليه ما يلقاه ويجد السلوان عند فقدان ما يهواه كما قيل في المعنى :يمثل ذو اللب في لبه * شدائد قبل أن تنزلا
فان نزلت بغتة لم ترعه * لما كان في نفسه مثلا
رأى الأمر يفضى إلى آخر * فصير آخره أولا
وذو الجهل يأمن أيامه * وينسى مصارع من قد خلا
فان دهمته صروف الزمان * ببعض مصائبه أعولا
ولو قدم الحزم في نفسه * لعلمه الصبر عند البلافليتلق العبد ما يرد عليه بالصبر والرضا والاستسلام عند جريان القضاء فعن قريب ينجلى الأمر ويستوجب من اللّه تعالى جزيل الأجر واللّه تعالى ولى التوفيق . قال أحمد بن أبي الحوارى رحمه اللّه قال لي أبو سليمان الدارانى : جوع قليل وعرى قليل وذل قليل وصبر قليل وقد انقضت عنك أيام الدنيا ، فمن جعل الصبر معتمده في نوازله واعتده من أعظم عدده ووسائله فهو مصيب في رأيه منجح في سعيه ، ومن جزع من المصائب واضطرب عند وقوع النوائب كان عاملا فيما يزيده ضرا ويكسبه وزرا ويفوته أجرا وناهيك به خسرا كما قيل :وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها * عظمت مصيبة مبتلى لا يصبروكما قيل أيضا :وعوضت أجرا من فقيد فلا تكن * فقيدك لا يأتي وأجرك يذهبقال بعض العارفين : ورود الأكدار الدنيوية على العبد نعم من اللّه تعالى عليه لأن ذلك لا محالة يدعوه إلى الزهادة في الدنيا والتجافي عنها ويصرف عنه وجود الغباوة والجهالة لأجل تمسكه بالخيال وما يستضر به في الحال والمآل ، لأن الموجب لرغبته فيها وحرصه على نيلها إنما هو ما يتوهمه فيها من الحصول على منيته وبغيته وقضاء غرضه من شهوته ونهمته من غير مكدر ولا منغص ولو تصور له حصول على هذه الأشياء على حسب ما يحبه ويهواه كان ينبغي له أن يرغب عنها عوضا عن الرغبة فيها إن كان عاقلا لأن مآل أمره إلى الفناء والزوال والافتقار والانقضاء والارتحال ، وقد قال الشاعر :أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه ارتحالا
أرى الدنيا على من كان فيها * تدور فلا تديم عليه حالا