تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
كان كلّ هذا التّرغيب فيه ووعد الثّواب عليه ، إذ لا يتأتّى فعل العبادة إلّا بقمع الهوى وقهر النّفس ، إذ هي زاجرة عن الخير ؛ ومخالفة الهوى وقهر النّفس من أشدّ الأمور على الإنسان . وثانيها : أنّ العبد إذا فعل الخير مع المشقّة لزمه الاحتياط له حتّى لا يفسد عليه والاتّقاء على العمل أشدّ من العمل . وثالثها : أنّ الدّار دار محنة ، فمن كان فيها فلا بدّ له من الابتلاء بشدائدها ومصائبها
شرح
العبادة ( كان كل هذا الترغيب فيه ) أي الصبر عليها ( ووعد الثواب عليه ) أي علي الصبر ( إذ لا يتأتى ) ولا يتحصل ( فعل العبادة إلا ) بالصبر وذلك ( بقمع الهوي ) أي قهره ( وقهر النفس ) الأمارة بالسوء ( إذ هي ) أي النفس ( زاجرة ) ومانعة ( عن الخير ومخالفة الهوى وقهر النفس ) أي والحال أن ذلك ( من أشد الأمور ) وأشقها ( على الإنسان ) ولذلك قال سهل التستري رحمه اللّه : ما عبد اللّه بشئ مثل مخالفة النفس والهوى ، وقال ذو النون المصري : مفتاح العبادة الفكرة ، وعلامة الإصابة مخالفة النفس والهوى ، ومخالفتهما ترك شهواتهما ( وثانيها ) أي الوجوه الأربعة ( أن العبد إذا فعل الخير مع المشقة لزمه الاحتياط له ) أي لفعل الخير ( حتى لا يفسد ) أي ذلك الفعل ( عليه ) أي العبد ( والاتقاء ) أي الاحتراز والاجتناب ( على العمل ) أي آفاته ومفسداته ( أشد من العمل ) ولذلك قال أيوب السختياني : تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال ، وكذا قال يوسف بن أسباط : تخلص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد ، وقال علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه : لا تهتموا لقلة العمل واهتموا للقبول فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لمعاذ بن جبل رضى اللّه عنه « أخلص العمل يجزك منه القليل » ( وثالثها ) أي الوجوه الأربعة ( أن الدار ) أي دار الدنيا ( دار محنة ) وبلية ( فمن كان فيها ) أي في الدنيا ( فلا بد له من الابتلاء بشدائدها ومصائبها ) ولا يجد لنفسه راحة ولهذا قال جعفر الصادق رضي اللّه عنه : من طلب من لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له وما ذاك ؟ قال الراحة في الدنيا وفي معناه أنشدوا :تطلب الراحة في دار العنا * خاب من يطلب شيئا لا يكونوقال بعض البلغاء ملتمس السلامة في دار المتالف والمعاطب كالمتمرغ على مزاحف الحيات ومداب العقارب . وقال ابن مسعود رضى اللّه عنه : الدنيا كلها غموم فما كان منها في سرور فهو ربح ، وقال الجنيد قدس سره : لست أستبشع ما يرد علي من العالم لأنى قد أصلت أصلا وهو أن الدنيا دارهم وغم وبلاء وفتنة وأن العالم كله شر ، ومن حكمه أن يتلقانى بكل ما أكره فإن تلقاني بكل ما أحب فهو فضل وإلا فالأصل هو الأول ، وقال أبو تراب رحمه اللّه : يا أيها الناس