فعليك بالصّبر في المواطن كلّها ، وإنّما ذلك لأمرين ، أحدهما : الوصول إلى العبادة وحصول المقصود منها ، فإنّ مبنى أمر العبادة كلّها على الصّبر واحتمال المشقّات ، فمن لم يكن صبورا لم يصل إلى شئ منها بالحقيقة ، وذلك أنّ من قصد عبادة اللّه تعالى وتجرّد لها محقّا استقبلته شدائد ومحن ومصائب من وجوه :
أحدها : أنّه لا عبادة إلّا وفي نفسها مشقّة ، ولذلك
شرح
صبرت وكان الصبر خير معول * وهل جزع يجدى علي فأجزع
صبرت على ما لو تحمل بعضه * جبال شروري أصبحت تتصدع
ملكت دموع العين حتى رددتها * إلي ناظرى فالعين في القلب تدمعوما أحسن قول الشاعر :إني وجدت وفي الأيام تجربة * للصبر عاقبة محمودة الأثر
وقل من جد في شئ يطالبه * واستصحب الصبر إلا فاز بالظفروكم ورد في الصبر من آيات وأحاديث وآثار كثيرة عجيبة كقوله تعالى« إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ »فبين سبحانه وتعالى ثواب الطاعات كلها على لسان نبيه فلما انتهى إلى الصبر قال « إنما يوفى » الآية وقوله« وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا »فجعلهم أئمة لصبرهم وقوله« وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ »أي على طاعة اللّه« فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ »الجنة ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « إن في الجنة منازل لا ينالها العبد بأعماله ليس لها علاقة من فوقها ولا عماد من تحتها ، قيل يا رسول اللّه كيف يدخلها أهلها ؟ قال يدخلها أهلها شبه الطير ، قيل لمن تكون تلك المنازل ؟ قال لأصحاب البلايا والغموم والهموم والأمراض » ولبعضهم :الدهر لا يبقي على حالة * لا بد أن يقبل أو يدبرا
فان تلقاك بمكروهه * فاصبر فان الدهر لن يصبرا