تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
شرح
بالطاعات . ومنها ما يشغل القلب عن ذكر اللّه ويحث على المخالفة فيلحق بالمعاصي في عدم الرضا ، والسر في ذلك أن اللّه تعالى أراد ما لا يرضى ولا يأمر إلا بما يرضى والعباد متعبدون بما يصدر من الأمر والنهى لا بما يصدر عن مشيئته وتدبيره ؛ فالرب تعالى لا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم عاجلة أو آجلة ، وقد تعبدنا ربنا بكراهة المعاصي لمصلحتين : إحداهما مقصودة في نفسها . والثانية وسيلة لغيرها . أما المصلحة المقصودة لنفسها فان اللّه تعالي تسمى بالخافض الرافع . ولهما آثار في الوجود من الخفض والرفع فندب اللّه عباده إلى أن يكون المخفوض عنده المخفوض عندهم والمرفوع عنده المرفوع عندهم . ولا يوجد كمال هذه العبادة إلا عند المحبين لأن المحبة إذا قربت تعدت إلى كل ما يتعلق بالمحبوب حتى يحب حبيبه ويبغض بغيضه وإليه الإشارة بقوله تعالى« فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً »أي قاتل نفسك وقوله تعالى« وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ » .وأما المصلحة المقصودة لغيرها فان اللّه جبل طباع العباد على النفرة عما يكرهونه ، فكراهة المعاصي على هذا وسيلة إلى تركها ونبذها لا من حيث إنها من فعل اللّه . فان قلت الرضا والسخط أيضا مرادان وقد قلت إن اللّه أراد ما لا يرضى ، وما معنى قوله تعالى« وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ »فأقول الرضا والسخط مردّدان بين الإرادة والفعل . ومعنى الآية محمول على الصفة الفعلية لا على الصفة الذاتية فقوله تعالى« وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ »أي إذا كفروا عاملهم معاملة الساخط عليهم وهذا معنى قولك يريد ما لا يرضى : أي خصهم بفعل يعاقبهم عليه لأن حقيقة لفظي الرضا والسخط محالان في حق اللّه تعالى كذا أفاده العلامة الزبيدي . وقد ذكر مصنفنا الإمام الغزالي رحمه اللّه أن مقت اللّه لمن عصاه وإن كانت معصيته بتدبيره يشبه بغض المشتوم لمن شتمه وإن كان شتمه إنما يحصل بتدبيره واختياره لأسبابه وفعل اللّه تعالى ذلك بكل عبد من عبيده أعنى تسليط دواعي المعصية عليه يدل على أنه سبقت مشيئته بإبعاده ومقته . فواجب على كل عبد محب للّه أن يبغض من أبغضه اللّه ويمقت من مقته اللّه ويعادى من أبعده اللّه عن حضرته وإن اضطره بقهره وقدرته إلى معاداته ومخالفته فإنه بعيد مطرود ملعون عن الحضرة وإن كان بعيدا بإبعاده قهرا ومطرودا بطرده واضطراره ، والمبعد عن درجات القرب ينبغي ألا يكون مقيتا بغيضا إلي جميع المحبين موافقة للمحبوب بإظهار الغضب على من أظهر المحبوب الغضب عليه بإبعاده ، وبهذا يتقرر جميع ما وردت به الأخبار من البغض في اللّه والحب في اللّه والتشديد على الكفار والتغليظ عليهم والمبالغة في مقتهم مع الرضا بقضاء اللّه تعالى من حيث إنه قضاء اللّه عز وجل وبه يظهر معنى قوله تعالى« أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ،أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ »وقد أمر اللّه تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم » وكذلك أمر المؤمنين في قوله تعالى« قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً »وهذا كله يستمد من سر القدر الذي لا رخصة في إفشائه إلا لأهله وهو أن الشر والخير كلاهما داخلان في المشيئة والإرادة ولكن الشر مراد مكروه والخير مراد مرضى به ، فمن قال ليس الشر من اللّه فهو جاهل وكذا من قال إنهما جميعا منه من غير افتراق في الرضا والكراهة فهو أيضا مقصر وكشف الغطاء عنه غير مأذون فيه ،
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 147 | السيد احمد بن زيني دحلان