سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 146
فإن قلت : أليس الشرور والمعاصي بقضاء اللّه تعالى وقدره ، فكيف يرضى العبد بالشّرّ ويلزمه ذلك ؟ فاعلم أنّ الرّضا إنّما يلزم بالقضاء ، وقضاء الشّرّ ليس بشرّ وإنّما الشّرّ هو المقضىّ فلا يكون رضا بالشّرّ ؛ عليه وسلم « أسألك الرضا بعد القضاء » فقال لأن الرضا قبل القضاء عزم على الرضا والرضا بعد القضاء هو الرضا . وقال أحمد بن أبي الحوارى : سمعت أبا سليمان يقول : أرجو أن أكون عرفت طرفا من الرضا ، لو أنه أدخلني النار لكنت بذلك راضيا . وقال أبو عمر الدمشقي : الرضا ارتفاع الجزع في أي حكم كان . وقيل كتب عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه إلى أبى موسى الأشعري : أما بعد ، فإن الخير كله في الرضا ؛ فان استطعت أن ترضى وإلا فاصبر . وقيل إن عتبة الغلام بات ليلة يقول إلى الصباح إن تعذبني فأنا لك محب وإن ترحمني فأنا لك محب . وكان أبو علي الدقاق يقول : الإنسان خزف وليس للخزف من الخطر ما يعارض فيه حكم الحق تعالي . وقال أبو عثمان الحيري منذ أربعين سنة ما أقامني اللّه عز وجل في حال فكرهته وما نقلنى إلى غيره فسخطته [ فان قلت : قد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء اللّه تعالى أليس الشرور والمعاصي بقضاء اللّه تعالى وقدره ، والجواب عن ذلك ] ( فان قلت ) فقد وردت الآيات والأخبار بالرضا بقضاء اللّه تعالى ( أليس الشرور والمعاصي بقضاء اللّه تعالى وقدره ) أي بتقديره الأمور وإحاطته بها ، فان كانت المعاصي بقضاء اللّه تعالى فكراهتها ومقتها كراهة لقضاء اللّه تعالى ، وإن كانت بغير ذلك فهو محال وهو قادح في التوحيد ( فكيف يرضى العبد بالشر ويلزمه ) أي العبد ( ذلك ) أي الرضا بالشر ( فاعلم أن الرضا إنما يلزم ) أي يجب ( بالقضاء ) بمعنى أنا نرضي بخلق اللّه المعصية ولا نعترض عليه ، ويجب علينا كراهتها من حيث كونها معصية قال الإمام الغزالي ونظيره ما إذا كان لك عدوان : أحدهما عدو للآخر فإنك تكره موته من حيث أنه ساع في هلاك عدوك وتفرح به من حيث إنه عدوك ، وكذلك المعصية لها وجهان : وجه إلى اللّه تعالى من حيث إنه فعله واختياره وإرادته فترضى به من هذا الوجه تسليما للملك إلى مالك الملك ورضا بما يفعله فيه ، ووجه إلى العبد من حيث إنه كسبه ووصفه . وعلامة كونه ممقوتا عند اللّه وبغيضا عنده حيث سلط عليه أسباب البعد والمقت ، فهو من هذا الوجه منكر ومذموم ( وقضاء الشر ) بمعنى الإرادة الأزلية ( ليس بشرّ وإنما الشرّ هو المقضى فلا يكون ) أي الرضا بالقضاء ( رضا بالشرّ ) وقد يطلق القضاء على المقضى كما في حديث « اللهم إني أعوذ بك من درك الشقاء وسوء القضاء » وهذا لا يجب الرضا به مطلقا ، بل إن كان واجبا وجب أو مندوبا ندب أو مباحا أبيح أو مكروها كره أو حراما جرم بخلافه بمعنى إرادة اللّه الأشياء . وقال الكمال محمد بن إسحاق في مقاصد المنجيات : أفعال العباد على ثلاثة أقسام : طاعات ومباحات ومعاص ، فالطاعات يرضى بها مطلقا والمعاصي لا يرضى بها مطلقا ، والمباحات منها ما تعين على الطاعات وفراغ القلب للذكر فيلحق