أم أبدّل اللّوح المحفوظ بسببك فأقضى ما تريد دون ما أريد ، ويكون ما تحبّ دون ما أحبّ ، فبعزّتى حلفت لئن تلجلج هذا في صدرك مرّة أخرى لأسلبنّك ثوب النبوّة ولأوردنّك النّار ولا أبالي .
قلت : فليستمع العاقل هذه السّياسة العظيمة والوعيد الهائل مع أنبيائه وأصفيائه فكيف مع غيرهم ؟ ثمّ استمع قوله عزّ وجلّ : لئن تلجلج هذا في صدرك مرّة أخرى ، فهذا في حديث النّفس وتردّد القلب ، فكيف بمن يصرخ ويستغيث ويشكو وينادى بالويل والصّراخ من ربّه الكريم المحسن على رؤوس الملإ ؟ ويتّخذ له أعوانا وأصحابا ، وهذا لمن سخط مرّة ، فكيف ممّن هو في السّخط على اللّه تعالى جميع عمره ؟
شرح
أم أبدل اللوح المحفوظ بسببك فأقضى ما تريد دون ما أريد ويكون ما تحب دون ما أحب فبعزتي ) وجلالي ( حلفت لئن تلجلج ) أي تحرك ( هذا ) أي المذكور من الشكاية ( في صدرك مرة أخرى لأسلبنك ثوب النبوة ولأوردنك ) أي أدخلنك ( النار ولا أبالي ) نقله صاحب القوت . وروى في بعض الأخبار أن آدم عليه السّلام كان بعض أولاده الصغار يصعدون على بدنه وينزلون يجعل أحدهم رجلاه على أضلاعه كهيئة الدرج فيصعد إلى رأسه ثم ينزل على أضلاعه كذلك وهو مطرق إلى الأرض لا ينطق ولا يرفع رأسه فقال له بعض ولده يا أبت أما ترى ما يصنع هذا بك لو نهيته عن هذا ؟ فقال يا بنى إني رأيت ما لم تروا وعلمت ما لم تعلموا إني تحركت حركة واحدة فأهبطت من دار الكرامة إلى دار الهوان ومن دار النعيم إلى دار الشقاء فأخاف أن أتحرك حركة أخرى فيصيبنى ما لا أعلم نقله صاحب القوت . قال : وروينا في بعض الأخبار أنه قال : إن اللّه تعالى ضمن لي إن حفظت لساني أن يردني إلى الدار التي أخرجني منها ( قلت فليستمع العاقل هذه السياسة العظيمة والوعيد الهائل ) أي المخيف ( مع أنبيائه وأصفيائه ) عليهم الصلاة والسّلام ( فكيف ) الحال ( مع غيرهم ثم استمع قوله عز وجل لئن تلجلج هذا في صدرك مرة أخرى فهذا ) أي التلجلج والتحرك ( في حديث النفس وتردد القلب فكيف بمن يصرخ ) أي يصوت وينادى . في المختار : الصراخ الصوت ، وفي [ محيط المحيط ] : صرخ يصرخ صراخا وصريخا :
صاح شديدا واستغاث وأغاث . والعامة تقول صرخ له بمعنى ناداه ( ويستغيث ويشكو وينادى بالويل ) أي الهلاك ( والصراخ من ربه الكريم المحسن على رؤوس الملأ ) أي الجماعة ( ويتخذ له ) أي لنفسه لأجل الصراخ المذكور ( أعوانا وأصحابا ، وهذا ) أي التخويف المذكور وهو قوله عز وجل : لئن تلجلج ( لمن سخط مرة فكيف ممن هو في السخط على اللّه تعالى جميع عمره ؟