تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 145

مساهمون:

ص١٤٥
وهذا لمن شكا إليه ، فكيف ممّن شكا إلى غيره ؟ نعوذ باللّه من شرور أنفسنا وسيئّات أعمالنا ، ونسأله أن يعفو عنّا ويغفر لنا سوء آدابنا ويصلحنا بحسن نظره ، إنّه أرحم الرّاحمين . فإن قيل : فما معنى الرّضا بالقضاء وحقيقة ذلك وحكمه ؟ فاعلم أنّ علماءنا قالوا : إنّ الرّضا ترك السّخط ، والسّخط ذكر غير ما قضى اللّه تعالى بأنّه أولى به وأصلح له فيما لا يستيقن فساده وصلاحه ، فهذا شرط فيه ، فاعلم ذلك .
شرح
وهذا ) أي التخويف المذكور ( لمن شكا إليه ) تعالى ( فكيف ممن شكا إلى غيره ؟ نعوذ باللّه من شرور أنفسنا ، و ) من ( سيئات أعمالنا ، ونسأله ) سبحانه وتعالى ( أن يعفو عنا ويغفر لنا سوء آدابنا ويصلحنا بحسن نظره ، إنه أرحم الراحمين ) وأكرم الأكرمين ( فان قيل : فما معنى الرضا بالقضاء ، وحقيقة ذلك وحكمه ، فاعلم أن علماءنا ) رضوان اللّه عليهم ( قالوا إن الرضا ترك السخط والسخط ذكر غير ما قضى اللّه تعالى بأنه ) أي ذلك الغير ( أولى ) أي أحق ( به ) أي بالعبد ( وأصلح له فيما لا يستيقن فساده وصلاحه ، فهذا ) أي ترك السخط ( شرط فيه ) أي في الرضا ( فاعلم ذلك ) أي المذكور مما قالوه في الرضا . ومن ذلك قال أبو علي الدقاق : ليس الرضا أن لا تحس بالبلاء إنما الرضا أن لا تعترض على الحكم والقضاء . وقال النصر اباذى : من أراد أن يبلغ محل الرضا فليلزم ما جعل اللّه رضاه فيه ، وقال ابن خفيف : الرضا سكون القلب إلى أحكامه وموافقة القلب بما رضى اللّه به واختاره ، وقيل قال الشبلي بين يدي الجنيد : لا حول ولا قوة إلا باللّه ، فقال الجنيد قولك ذا ضيق صدر وضيق الصدر لترك الرضا بالقضاء فسكت الشبلي . وقال أبو سليمان : الرضا أن لا تسأل اللّه تعالى الجنة ولا تستعيذ به من النار . وكان سعيد بن عثمان يقول : سمعت ذا النون المصري يقول : ثلاثة من أعلام الرضا : ترك الاختيار قبل القضاء ، وفقدان المرارة بعد القضاء ، وهيجان الحب في حشو البلاء ، وذلك لأن الراضي يحسن ما يجريه اللّه عليه لا اختيار له وإنما هو مذعن لما يختاره اللّه لعلمه بفضل ربه عليه وحسن اختياره له فيما يجريه عليه ، ومتى كان له اختيار في نفسه فهو مع نفسه راض بحكمها ، لا بحكم ربه كما أفاده شيخ الاسلام : وقيل للحسين ابن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنهما : إن أبا ذر يقول : الفقر أحب إلى من الغنى ، والسقم أحب إلى من الصحة ، فقال رحم اللّه تعالى أبا ذر ، أما أنا فأقول من اتكل على حسن اختيار اللّه تعالى له لم يتمن غير ما اختاره اللّه عز وجل له . وقال الفضيل بن عياض لبشر الخافي : الرضا أفضل من الزهد في الدنيا لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته . وسئل أبو عثمان عن قول النبي صلّى اللّه