تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فإذا اشتغل القلب بشئ من هذه الهموم كيف يتفرّغ للعبادة إذ ليس لك إلّا قلب واحد ، وقد ملأته من الهموم ، وما كان وما يكون من أمر الدّنيا ؟ فأىّ موضع بقي فيه لذكر اللّه ولعبادته وفكر الآخرة . ولقد صدق شقيق رحمه اللّه حيث قال : إنّ حسرة الأمور الماضية وتدبير الآتية قد ذهبت ببركة ساعتك هذه . والثّانى من الأمرين : خطر ما في السّخط من غضب اللّه تعالى . ولقد روينا في الأخبار أنّ نبيّا من الأنبياء شكا بعض ما ناله من المكروه إلى اللّه تعالى ، فأوحى اللّه تعالى إليه : أتشكوني ولست بأهل ذمّ ولا شكوى ، هكذا بدا شأنك في علم الغيب فلم تسخط قضائي عليك ، أتريد أن أغيّر الدّنيا لأجلك ،
شرح
الخبر المشهور « يقول اللّه تعالى خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريت الخير على يديه ، وويل لمن خلقته للشر وأجريت الشر على يديه ، وويل ثم ويل لمن قال لم وكيف ؟ » كذا نقله في القوت . وقال أنس بن مالك رضى اللّه عنه : « خدمت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عشر سنين ، فما قال لي لشئ فعلته لم فعلته ولا لشئ لم أفعله لم لا فعلته ، ولا قال في شئ كان ليته لم يكن ولا في شئ لم يكن ليته وكان إذا خاصمنى مخاصم من أهله يقول دعوه لو قضى شئ لكان » ( فإذا اشتغل القلب بشئ من هذه الهموم ) والأحزان ( كيف يتفرغ للعبادة إذ ليس لك إلا قلب واحد ) قال اللّه تعالى« ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ »أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق للنفس الإنسانى أولا ومنبع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد ( و ) الحال أنك ( قد ملأته من الهموم وما كان ) عطف على الهموم ( وما يكون من أمر الدنيا ، فأي موضع بقي فيه لذكر اللّه ولعبادته وفكر ) أمور ( الآخرة ؟ ولقد صدق ) أبو علي ( شقيق ) بن إبراهيم البلخي وقد تقدمت ترجمته ( رحمه اللّه حيث قال : إن حسرة الأمور الماضية وتدبير ) الأمور ( الآتية قد ذهبت ببركة ساعتك هذه ) أي الساعة التي أنت فيها ( والثاني من الأمرين خطر ما في السخط ) وهو ترك الرضا ( من غضب اللّه تعالي . ولقد روينا في الأخبار ) السالفة ( أن نبيا من الأنبياء شكا بعض ما ناله ) أي أصابه ( من المكروه ) وهو الجوع والفقر والقمل عشر سنين كما في الإحياء ( إلى اللّه تعالى ، فأوحي اللّه تعالى إليه أتشكوني ولست بأهل ذم ولا شكوى ؟ هكذا بدا ) أي ظهر ( شأنك ) عندي ( في علم الغيب ) أي في أم الكتاب قبل أن أخلق السماوات والأرض وهكذا سبق لك منى وهكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا ( فلم ) أي لأي شئ ( تسخط قضائي عليك ؟ أتريد أن أغير الدنيا لأجلك
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 143 | السيد احمد بن زيني دحلان