تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
شرح
المتوكلين ، وهو داخل في كل أفعال اللّه تعالى لأنها عن قضائه ، لا يكون في ملكه إلا ما قضاه ، فعلى العارفين به الرضا بالقضاء ، ثم يرد ذلك إلى تفصيل العلم وترتيب الأحكام ؛ فما كان من خير وبر أمر به أو ندب إليه رضى به العبد وأحبه شرعا وفعلا ووجب عليه الشكر ، وما كان من شر نهى عنه وبهدد عليه فعلى العبد أن يرضى به عدلا وقدرا ويسلمه لمولاه حكمة وحكما وعليه أن يصبر عنه ويقر به ذنبا ويعترف به لنفسه ظلما ويرضى بعود الأحكام عليه بالعقاب وإن اجترحه بجوارحه اكتسابا ، ويرضى بأن للّه سبحانه عليه الحجة البالغة وأن لا عذر له فيه ، ويرضى بأنه في مشيئة اللّه من عفو عنه برحمته وكرمه إن شاء أو عقوبة بعدله وحقه إن شاء ، لأن الموقنين والمحبين لا يسقطون الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ولا ينكرون إنكار المعاصي وكراهتها بالألسنة والقلوب من قبل أن الإيمان فرضها والشرع ورد بها ، ولأن الحبيب كرهها فكانوا معه فيما كره كما كانوا معه فيما أحب . ومقام اليقين لا يسقط فرائض الإيمان ومشاهدة التوحيد لا تبطل شرائع الرسول ولا تسقط اتباعه فمن زعم ذلك فقد افترى على اللّه ورسوله وكذب على الموقنين والمحبين ؛ فمن رضي بالمعاصي والمناكير منه أو من غيره وأحب لأجلها ووالى ونصر عنها أو ادعى أن ذلك يدخل في مقام الرضا الذي يجازى عليه أو أنه حال الراضين الذين وصفهم اللّه تعالى ومدحهم ، فهو من الذين ذمهم اللّه ومقتهم ثم ذكر جملة من الآيات والأخبار والآثار ، ثم قال : وقد غلط في باب الرضا بعض البطالين من المتأخرين ممن لا علم له ولا يقين فحمل الرضا على ما يكون منه من معصية وهوي فحمله بالتفصيل وقلة فقهه بعلم التأويل ولا تباعه ما تشابه من التنزيل طلبا للفتنة وغربة الحال ، وابتداعا في القول والفعال أو لهواه في العصيان والفسوق وأراد أن يقيم بذلك عند الجاهلين سوق معذرة له وتطريقا إليه ، ولو عصم من الهوى لاستراح ، ولو زهد في الدنيا لأراح ، ولو كان علمه التأويل للّه الفتاح العليم لأفلح ، ولعلم الناس من علمه فربح وأربح ، وأنى له بذلك والهوى يقلبه والبلاء المعقود به يعمره ، وإنما يعلم التأويل منزل التنزيل ، ألم تسمع إلى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » وبطلان قول هذا أوضح من أنه يدل على فساده فكفونا عن مناظرته بطرده وإبعاده ، والاشتغال بالبطال بطالة لأن أوقاته قد ضاعت فيضيع وقت غيره بذكرها ، ثم قال وقد يحتج أيضا بطال لبخله وقلة مواساته وبذله ، أو يعتل لاتساعه في أمر الدنيا واستئثاره علي الفقراء أن الذي يمنعه من البذل والإيثار أو الزهد فيما في يديه والاخراج رضاه بحاله وقلة اعتراضه على مجريه فيه وأن هذا من مقام الرضا خص به عند نفسه ، وهذا قول لاعب ذي هوى ، وهو من خدع النفوس وأمانيها ومن غرور العدو ومكايده لأن الرضا لا يمنع من اختيار الفقر والضيقة لمعرفة الراضي بفضل الزهد وأوصافه ، كيف ولحب مولاه للفقر ولمقته على التكاثر ، فالرضا لا يأمر بالاستئثار والاتساع ما كره من النعمة والاستكثار لأن الرضا يأمر بما أمر الإيمان به إذا كان مقاما فيه ، فهو لا يوقف عما ندب إليه العبد ، ولا يدخل فيما كره له من فضول الدنيا إنما يوقف من ذلك غلبة الهوى ويدخل فيه محبة الدنيا ، وهما مذمومان في العلم وعند العلماء تأمر به النفس الأمارة بالسوء ويوسوس به العدو