سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 136
فإن قيل : هل يجب أن يفعل بالمفوّض ما هو الأفضل ؟ فاعلم أنّ الإيجاب مستحيل في حقّ اللّه تعالى فلا يجب لعباده عليه شئ ، وقد يفعل فهو يرد المتوكل إلى أصله وذلك وصف صادقي المتقين ، ولولا الامتحان لكثر الصادقون ، ولولا الإخراج من المعتاد والمألوف لكثر الصالحون ؛ فإذا كان مقام التوكل الرضا بجريان القضاء والمحبة لمواقيع البلاء لم يبال بقي ماله وسلم سببه الذي توكل عليه عنه أو عطب إذا كان محبة وكيله فيه ورضاه به ، فما عرضه من موافقة محبته وحلاوة رضاه فضل من إتلاف نفسه ودنياه [ هل يجب أن يفعل بالمفوض ما هو الأفضل ؟ ] ( فإن قيل : هل يجب أن يفعل ) بالبناء للمفعول ( بالمفوض ما هو الأفضل ، فاعلم أن الإيجاب مستحيل ) أي باطل ( في حق اللّه تعالى فلا يجب لعباده عليه ) تعالى ( شئ ) لأنه خالق الخلق أنعم عليهم بإخراجهم من العدم إلى الوجود ، فكيف يجب لهم عليه شئ ، بل إن أنعم عليهم فبفضله ، وإن منعهم فبعدله ، وأما نحو قوله تعالى « كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ » وقوله « وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ » فإنما هو إحسان وتفضل لا إيجاب وإلزام ، وما أحسن قول بعضهم : وما إن فعل أصلح ذا افتراض * على الهادي المقدس ذي التعالى والحاصل أن مذهب أهل السنة أن الأصلح للعبد ليس بواجب على اللّه تعالى وجمهور المعتزلة نصوا على أنه واجب ، وذهب بعضهم إلى وجوب رعاية المصلحة لا وجوب الأصلح . قال العلامة النوبى : كلا القولين متقاربان لا تفاوت بينهما من حيث إضافة الوجوب إلي اللّه تعالى ، وشبهتهم في ذلك أنهم قالوا إن اللّه تعالى حكيم في أمره ، وإذا أمر عبده بأمر اقتضت حكمته أن يعطى هذا العبد ما يتهيأ به للاتيان بالمأمور ، وإذا أعطى اللّه هذا العبد شيئا ومنعه منه كان بخلا وهو محال عليه تعالى . والجواب أنه ليس ببخل لأن البخل إنما يكون إذا كان واجبا حقا مستحقا للمحتاج عندنا وترك إسعافه ليس ببخل وإنما هو عدل لمقتضى الحكمة الإلهية ، لأنه يعطى من يشاء من فضله ويمنع من يشاء بعدله ، فلا يجب عليه شئ من ذلك . وقال العلامة القارى وغيره : قد رد كلام جميع المعتزلة القائلين بوجوب الأصلح والمصلحة أولا بأن الألوهية تنافى الوجوب المختص بالعبودية ولا يسئل عما يفعل ، وثانيا بأن الأصلح بحسب الظاهر أن يهدى الخلق جميعا ، وقد قال سبحانه « يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ » * مع قوله « ولو شاء لهداكم أجمعين » فما أراد اختلاف العباد إلا إظهار عدله وإيثار فضله ، وأيضا قال تعالى « إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً » مع أن الإملاء لزيادة الإثم ليس بصلاح عند العقلاء ، وكذلك خلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا والآخرة ، فإن العدم أصلح له من الوجود في عالم الشهود فللّه الحجة البالغة والحكم السابغة فلا خلل في شئ من مقدوراته بل أتقن بحكمته جميع مصنوعاته وأبدع كل شئ من سائر مخلوقاته ، وإنما العقول قاصرة عن إدراك حقيقة سر الحكم الإلهية ( وقد يفعل ) اللّه تعالى