سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 135
فيما فوّض إلى اللّه سبحانه . والخذلان والقصور عن منزلة التّفويض ممّا لا يقع فيه التّفويض إذ لا شكّ في فساد ذلك ؛ والتّفويض إنّما يقع فيما يشكّ في فساده وصلاحه ، وهذا أولى القولين عند شيخنا رحمه اللّه ، إذ لولا ذلك لما قويت الباعثة على التّفويض . ( فيما فوض إلى اللّه سبحانه . و ) أما ( الخذلان والقصور عن منزلة التفويض ) فهذا ( مما لا يقع فيه التفويض ، إذ لا شك في فساد ذلك ) أي الخذلان والقصور عن منزلة التفويض ( والتفويض إنما يقع فيما ) أي في أمر ( يشك في فساده وصلاحه وهذا ) أي القول الثاني ( أولى القولين ) أحدهما يفعل والآخر لا يفعل به ( عند شيخنا رحمه اللّه إذ لولا ذلك ) أي أنه لا يفعل بالمفوض إلا ما فيه صلاحه فيما فوض إلى اللّه تعالى ( لما قويت الباعثة على التفويض ) . [ ما قاله القشيري من الفرق بين التفويض والتضييع ] ( تنبيهان : الأول ) قال القشيري : الفرق بين التفويض والتضييع أن التفويض في حقك وهو محمود ، والتضييع في حق اللّه وهو مذموم . وقال صاحب القوت : حدثونا عن بعض السلف . قال : رأيت بعض العباد من أهل البصرة في المنام فقلت : ما فعل اللّه بك ؟ . قال غفر لي وأدخلني الجنة ، فقلت : أي الأعمال وجدت هناك أفضل ؟ قال التوكل وقصر الأمل ، وفي وصية لقمان : ومن الإيمان باللّه التوكل على اللّه ، وإن التوكل يحبب العبد إلى اللّه ، وإن التفويض إلى اللّه من هدى اللّه وبهدى اللّه يوافق العبد رضوان اللّه ، ومن موافقة العبد رضوان اللّه يستوجب كرامة اللّه ، وكان سهل يقول : التوكل هو التفويض ثم الرضا ، وكان الحسن يقول : الغنى والعز يجولان في طلب التوكل فإذا ظفرا به وطناه ، وفي هذا المعنى قيل : يجول الغنى والعز في كل موطن * ليستوطنا قلب امرئ إن توكلا ومن يتوكل كان مولاه حسبه * وكان له فيما يجول معقلا إذا رضيت نفسي بمقدور حظها * تعالت وكانت أفضل الخلق منزلا ويقال : إن الخوف من المخلوقات عقوبة نقصان الخوف من الخالق فإن ذلك من قلة الفقه عن اللّه وضعف التوكل عليه . ( الثاني ) التوكل على اللّه لا يمنع دخول اللصوص ولا يمنع وقوع الاقتدار للبلوى بمحو الدار ، وقد قال أبو يزيد قدس سره وهو من أعلى المتوكلين : ما سافرت في قافلة قط إلا قطع علي الطريق . وقال آخر من نظرائه : ما خرجت في سفر قط ومعي سبب إلا سلط اللّه علي من يأخذه حتى أبقى مع اللّه باللّه مجردا بلا سبب فهذه آيات يرد اللّه بها أولياءه إليه في تسليطات يدلهم بها عليه ليرجعوا إليه ؛ فالتوكل على اللّه تعالى في الأسباب لا يوجب بقاءها للعبد ولا إيثاره بها ولا حفظها عليه ، ولا يقدم شيئا عن شئ ولا يؤخره لصلاح دنيا أو اختيار عبد بل هو إلى الإذهاب والإتلاف أقرب ، لأن التوكل قرين للزهد وبمرته ،