تقابل التّفويض لا غير ، فاعلم ذلك .
وأمّا حصن التّفويض فهو ذكر خطر الأمور وإمكان الهلاك والفساد فيها ، وحصن حصنه ذكر عجزك عن الاعتصام عن ضروب الخطر والامتناع عن الوقوع فيها بجهلك وغفلتك وضعفك ؛ والمواظبة على هذين الذّكرين تحملك على تفويض الأمور كلّها إلى اللّه سبحانه والتّحفّظ عن الحكم فيها والامتناع عن إرادتها إلّا بشرط الخير والصّلاح ، فهذه هذه وباللّه التّوفيق .
فإن قيل لك : ما هذا الخطر الّذى
شرح
تقابل التفويض لا غير ) أي لا تقابله غير هذه الإرادة ( فاعلم ذلك ) أي الطمع الذي يقابل التفويض ، وذلك لأن الطمع في الشئ دليل على الحب له وفرط الاحتياج إلى نيله وذلك عبودية له ولذا يقابله التفويض ؛ وقيل لولا الأطماع الكاذبة لما استعبد الأحرار بكل شئ لا خطر له . قال العلامة الرندى : حكى عن بعضهم أنه دخل على تلميذ له فقدم التلميذ إليه خبزا قفارا ولم يكن له أدم فأخذ يتمنى بقلبه أن ليت كان له أدم يقدمه إلى أستاذه فقام الأستاذ وقال تعالى معي فحمله إلى باب السجن فرأى الناس يضرب واحد ويقطع آخر ويعذب كل واحد بأنواع العذاب ، فقال الأستاذ للتلميذ ترى هؤلاء ؟ هم الذين لم يصبروا على الخبز القفار ، وقيل إن العقاب يطير في فضاء عزه بحيث لا يرتقى طرف إلى مطاره ولا تسمو همة إلى الوصول إليه فيرى قطعة لحم معلقة على شبكة فينزله الطمع من مطاره فيعلق بالشبكة جناحه فيصيده صبي يلعب به ، وقيل إن فتحا الموصلي رحمه اللّه كان قاعدا فسئل عمن تابع الشهوات كيف صفته وكان بقربه صبيان مع أحدهما خبز بلا أدم ومع الآخر خبز مع كامخ ، فقال الذي لم يكن معه كامخ لصاحبه أطعمني من الكامخ ، فقال له بشرط أن تكون كلبى ، فقال نعم فجعل في رقبته خيطا وجعل يجره كما يقاد الكلب ، فقال فتح للسائل أما إنه لو رضى بخبزه ولم يطمع في كامخ صاحبه لم يصر كلبا لصاحبه ( وأما حصن التفويض فهو ذكر خطر الأمور وإمكان الهلاك والفساد فيها ) أي في تلك الأمور ( وحصن حصنه ) أي التفويض ( ذكر عجزك عن الاعتصام عن ضروب ) أي أنواع ( الخطر و ) عن ( الامتناع عن الوقوع فيها ) أي في ضروب الخطر ( بجهلك وغفلتك وضعفك ؛ والمواظبة على هذين الذكرين ) أي ذكر خطر الأمور وذكر العجز عن الاعتصام عما ذكر ( تحملك ) أي تبعثك ( على تفويض الأمور كلها إلى اللّه سبحانه و ) تحملك على ( التحفظ عن الحكم ) بغير استثناء ( فيها ) أي في الأمور ( والامتناع عن إرادتها إلا بشرط الخير والصلاح فهذه ) الجملة ( هذه ) أي موصوفة بالكمال والعظمة ( وباللّه التوفيق . فإن قيل لك : ما هذا الخطر الذي