هلاك الدّين وفساده الطّمع وملاكه الورع .
شرح
يقصون فأقامهم حتى جاء على إليه : يا فتى إني سائلك عن امر فان أجبتني فيه أبقيتك ، وإلا أقمتك كما أقمت أصحابك ، وكان قد رأى عليه سمتا وهديا ، فقال الحسن سل عما شئت . قال ما فساد الدين وملاكه ؟ فقال الحسن ( هلاك الدين وفساده الطمع ، وملاكه ) أي ما يقوم به الدين ( الورع ) قال على : اجلس فمثلك من يتكلم على الناس . قال ابن عطاء في التنوير : وسمعت شيخنا رضى اللّه عنه يقول : كنت في ابتداء أمرى بثغر الإسكندرية جئت إلى بعض من يعرفني ، فاشتريت منه حاجة بنصف درهم ، ثم قلت في نفسي لعله لا يأخذه منى فهتف بي هاتف : السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين . قال وسمعته يقول : صاحب الطمع لا يشبع أبدا ألا ترى أن حروفه كلها مجوفة الطاء والميم والعين . ثم قال بعد هذا : فعليك أيها المريد برفع همتك عن الخلق ولا تذل لهم فقد سبقت قسمتك وجودك وتقدم ثبوته ظهورك ، واسمع ما قاله بعض المشايخ : أيها الرجل ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه فلا بد أن يمضغاه فكله ويحك بعز ولا تأكله بذل ، وقد تقدم ذكر الورع في مقابلة الطمع في جواب الحسن لعلى رضى اللّه عنهما ، ولا شك أن الورع الظاهر لعامة الناس : وهو ترك الشبهات والتحرج من اقتحام المشكلات لا يقابل الطمع كل المقابلة ، وإنما يقابله ورع الخاصة ، وهو صحة اليقين وكمال التعلق برب العالمين ووجود السكون إليه وعكوف الهمم عليه وطمأنينة القلب به ، ولا يكون له ركون إلى غيره ولا انتساب إلى خلق ولا كون ، فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد ، وبه يصلح كل عمل مقرب وحال مسعد كما نبه عليه الحسن في جوابه المذكور . قال يحيى بن معاذ رحمه اللّه : الورع على وجهين ، ورع في الظاهر أن لا يتحرك إلا اللّه ، وورع في الباطن وهو أن لا يدخل قلبك إلا اللّه . وقال أبو محمد عبد العزيز المهدوى رحمه اللّه : اعلم أن الورع أن لا يكون بينك وبين الخلق نسبة في أخذ أو عطاء أو قبول أورد ، وأن يكون السبق للّه تعالى وهو أن يأتي إليه طاهرا من جميع الأشياء والعلم والعمل كما قال «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ، وقال أيضا : الورع أن لا يخطر الرزق بالبال ولا يكون بينه وبينه نسبة لا في التحصيل ولا عند المباشرة ، لأنه لا يدرى أيأكل أم لا ؟ وقال أيضا : الورع أن لا تتحرك ولا تسكن إلا وترى اللّه في الحركة والسكون فإذا رأى اللّه ذهبت الحركة والسكون وبقي مع اللّه ، فالحركة ظرف لما فيها كما قال بعضهم : ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه فيه فإذا رأى اللّه ذهبت الأشياء . وقال ابن عطاء في لطائف المنن : اعلم رحمك اللّه أن ورع الخصوص لا يفهمه إلا قليل فان من جملة ورعهم تورعهم عن أن يسكنوا لغيره تعالى أو يميلوا بالحب لغيره أو تمتد أطماعهم في غير فضله وخيره ، ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع الوسائط والأسباب وخلع الأنداد والأرباب ، ومن ورعهم ورعهم عن الوقوف مع العادات والاعتماد على الطاعات والسكون إلى أنوار التجليات ، ومن ورعهم ورعهم عن أن تفتنهم الدنيا أو ترفعهم الآخرة تورعوا عن الدنيا وفاء وعن الوقوف مع الآخرة صفاء . قال الشيخ