قال شيخنا رحمه اللّه : الطّمع المذموم شيئان : سكون القلب إلى منفعة مشكوكة والثّانى : إرادة الشّىء المخاطر بالحكم ، وهذه الإرادة
شرح
عثمان بن عاشوراء : خرجت من بغداد أريد الموصل فأنا أسير وإذا أنا بالدنيا قد عرضت على بعزها وجاهها ورفعتها ومراكبها وملابسها ومزيناتها ومشتهياتها فأعرضت عنها ، فعرضت على الجنة بحورها وقصورها وأنهارها وأثمارها فلم أشتغل بها . فقيل لي يا عثمان لو وقفت مع الأولى لحجبناك عن الثانية ولو وقفت مع الثانية لحجبناك عنافها نحن لك وقسطك من الدارين يأتيك ؟
وقال الشيخ عبد الرحمن المغربي وكان مقيما بشرقى الإسكندرية : حججت سنة من السنين فلما قضيت الحج عزمت على الرجوع إلى الإسكندرية فإذا العلي يقول لي : إنك في العام القابل عندنا فقلت في نفسي إذا كنت في العام القابل ههنا فلا أعود إلى الإسكندرية فخطر لي الذهاب إلى اليمن فأتيت إلى عدن فأنا يوما على ساحلها وإذا بالتجار قد أخرجوا بضائعهم ومتاجرهم ، ثم نظرت فإذا رجل فرش سجادته على البحر ومشى على الماء ، فقلت في نفسي لم أصلح للدنيا ولا للآخرة فإذا العلى يقول لي من لم يصلح للدنيا ولا للآخرة يصلح لنا . وقال الشيخ أبو الحسن رحمه اللّه :
الورع نعم الطريق لمن عجل ميراثه وأجل ثوابه فقد انتهى بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه والقول باللّه والعمل للّه وباللّه على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة فهم في عموم أوقاتهم وسائر أحوالهم لا يدبرون ولا يختارون ولا يريدون ولا يتفكرون ولا ينظرون ولا ينطقون ولا يبطشون ولا يمشون ولا يتحركون إلا باللّه وللّه من حيث يعلمون ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فهم مجموعون في عين الجمع لا يتفرقون فيما هو أعلى ولا فيما هو أدنى . وأما أدنى الأدنى فاللّه يوزعهم عنه ثوابا لورعهم مع الحفظ لمنازلات الشرع عليهم ، ومن لم يكن لعلمه وعمله ميزان فهو محجوب بدنيا أو مصروف بدعوى وميراثه التعزز على خلقه والاستكبار على مثله والدلالة على اللّه بعلمه فهذا هو الخسران المبين والعياذ باللّه العلي العظيم من ذلك ، والأكياس يتورعون عن هذا الورع ويستعيذون باللّه منه . ومن لم يزدد بعلمه وعمله احتقارا لنفسه وافتقارا إلى ربه وتواضعا لخلقه فهو هالك ، فسبحان من قطع كثيرا من الصالحين بصلاحهم عن مصلحهم كما قطع كثيرا من المفسدين بفسادهم عن موجدهم «فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . قال ابن عطاء : فانظر فهمك اللّه سبيل أوليائه ومن عليك بمتابعة أحبابه هذا الورع الذي ذكره الشيخ أبو الحسن هل كان يصل فهمك إلى مثل هذا النوع ؟ ألا ترى قوله قد انتهي بهم الورع إلى الأخذ من اللّه وعن اللّه والقول باللّه والعمل للّه وباللّه على البينة الواضحة والبصيرة الفائقة . فهذا هو ورع الأبدال والصديقين لا ورع المنقطعين الذي نشأ عن سوء الظن وغلبة الوهم انتهى .